تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 99

مساهمون:

ص٩٩
يحاسب إشكال لأن المحاسبة تكون بين اثنين ، وليس في القيامة لأحد قبل ربه مطالبة فيحاسبه وجوابه : أن العبد يقول : إلهي فعلت المعصية الفلانية ، فكأن ذلك بين الرب والعبد محاسبة والدليل على أنه تعالى خص الكفار بأنه لا يكلمهم ، فدل ذلك على أنه يكلم المطيعين والعبد يكلمه فكانت المكالمة محاسبة . أما قوله :

[ سورة الانشقاق ( 84 ) : آية 10 ]

وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ ( 10 ) فللمفسرين فيه وجوه أحدها : قال الكلبي : السبب فيه لأن يمينه مغلولة إلى عنقه ويده اليسرى خلف ظهره وثانيها : قال مجاهد : تخلع يده اليسرى فتجعل من وراء ظهره وثالثها : قال قوم : يتحول وجهه في قفاه ، فيقرأ كتابه كذلك ورابعها : أنه يؤتى كتابه بشماله من وراء ظهره لأنه إذا حاول أخذه بيمينه كالمؤمنين يمنع من ذلك وأوتي من وراء ظهره بشماله فإن قيل أليس أنه قال في سورة الحاقة :
وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ
[ الحاقة : 25 ] ولم يذكر الظهر والجواب : من وجهين أحدهما : يحتمل أن يؤتى بشماله وراء ظهره على ما حكيناه عن الكلبي وثانيها : أن يكون بعضهم يعطي بشماله ، وبعضهم من وراء ظهره . أما قوله :

[ سورة الانشقاق ( 84 ) : آية 11 ]

فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً ( 11 ) فاعلم أن الثبور هو الهلاك ، والمعنى أنه لما أوتي كتابه من غير يمينه علم أنه من أهل النار فيقول : وا ثبوراه ، قال الفراء : العرب تقول فلان يدعوا لهفه ، إذا قال : وا لهفاه ، وفيه وجه آخر ذكره القفال ، فقال : الثبور مشتق من المثابرة على شيء ، وهي المواظبة عليه فسمي هلاك الآخرة ثبور لأنه لازم لا يزول ، كما قال :
إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً
[ الفرقان : 65 ] وأصل الغرام اللزوم والولوع . أما قوله تعالى :

[ سورة الانشقاق ( 84 ) : آية 12 ]

وَيَصْلى سَعِيراً ( 12 ) ففيه مسألتان : المسألة الأولى : يقال : صلى الكافر النار ، قال اللّه تعالى :
وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً
[ النساء : 10 ] وقال :
وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ
[ آل عمران : 115 ] وقال :
إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ
[ الصافات : 1 ] وقال :
لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى
[ الليل : 15 ، 16 ] والمعنى أنه إذا أعطى كتابه بشماله من وراء ظهره فإنه يدعو الثبور ثم يدخل النار ، وهو في النار أيضا يدعو ثبورا ، كما قال :
دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً
[ الفرقان : 13 ] وأحدهما لا ينفي الآخر ، وإنما هو على اجتماعهما قبل دخول النار وبعد دخولها ، نعوذ باللّه منها ومما قرب إليها من قول أو عمل . المسألة الثانية : قرأ عاصم وحمزة وأبو عمرو ويصلى بضم الياء والتخفيف كقوله :
نُصْلِهِ جَهَنَّمَ
وهذه القراءة مطابقة للقراءة المشهورة لأنه يصلى فيصلى أي يدخل النار . وقرأ ابن عامر ونافع والكسائي بضم الياء مثقلة كقوله : ( وتصلية جحيم ) وقوله :
ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ
[ الحاقة : 31 ] .
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 99 | فخر الدين الرازي