الجنس لأنه أكثر فائدة ، ولأن قوله :
فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ
[ الانشقاق : 7 ]
وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ
[ الانشقاق : 10 ] كالنوعين له ، وذلك لا يتم إلا إذا كان جنسا ، أما قوله :
إِنَّكَ كادِحٌ
فاعلم أن الكدح جهد الناس في العمل والكدح فيه حتى يؤثر فيها من كدح جلده إذا خدشه ، أما قوله :
إِلى رَبِّكَ
ففيه ثلاثة أوجه أحدها : إنك كادح إلى لقاء ربك وهو الموت أي هذا الكدح يستمر ويبقى إلى هذا الزمان ، وأقول في هذا التفسير نكتة لطيفة ، وذلك لأنها تقتضي أن الإنسان لا ينفك في هذه الحياة الدنيوية من أولها إلى آخرها عن الكدح والمشقة والتعب ، ولما كانت كلمة إلى لانتهاء الغاية ، فهي تدل على وجوب انتهاء الكدح والمشقة بانتهاء هذه الحياة ، وأن يكون الحاصل بعد هذه الدنيا محض السعادة والرحمة ، وذلك معقول ، فإن نسبة الآخرة إلى الدنيا كنسبة الدنيا إلى رحم الأم ، فكما صح أن يقال : يا أيها الجنين إنك كادح إلى أن تنفصل من الرحم ، فكان ما بعد الانفصال عن الرحم بالنسبة إلى ما قبله خالصا عن الكدح والظلمة فنرجوا من فضل اللّه أن يكون الحال فيما بعد الموت كذلك وثانيهما : قال القفال : التقدير إنك كادح في دنياك كدحا تصير به إلى ربك فبهذا التأويل حسن استعمال حرف إلى هاهنا وثالثها : يحتمل أن يكون دخول إلى علي معنى أن الكدح هو السعي ، فكأنه قال : ساع بعملك
إِلى رَبِّكَ
أما قوله تعالى :
فَمُلاقِيهِ
ففيه قولان : الأول : قال الزجاج : فملاق ربك أي ملاق حكمه لا مفر لك منه ، وقال آخرون : الضمير عائد إلى الكدح ، إلا أن الكدح عمل وهو عرض لا يبقى فملاقاته ممتنعة ، فوجب أن يكون المراد ملاقاة الكتاب الذي فيه بيان تلك الأعمال ، ويتأكد هذا التأويل بقوله بعد هذه الآية :
فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ
.
أما قوله تعالى :
[ سورة الانشقاق ( 84 ) : الآيات 7 إلى 9 ]
فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ ( 7 ) فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً ( 8 ) وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً ( 9 )
فالمعنى فأما من أعطي كتاب أعماله بيمينه
فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً
وسوف من اللّه واجب وهو كقول القائل : اتبعني فسوف نجد خيرا ، فإنه لا يريد به الشك ، وإنما يريد ترقيق الكلام . والحساب اليسير هو أن تعرض عليه أعماله ، ويعرف أن الطاعة منها هذه ، والمعصية هذه ، ثم يثاب على الطاعة ويتجاوز عن المعصية فهذا هو الحساب اليسير لأنه لا شدة على صاحبه ولا مناقشة ، ولا يقال له : لم فعلت هذا ولا يطالب بالعذر فيه ولا بالحجة عليه . فإنه متى طولب بذلك لم يجد عذرا ولا حجة فيفتضح ، ثم إنه عند هذا الحساب اليسير يرجع إلى أهله مسرورا فائزا بالثواب آمنا من العذاب ، والمراد من أهله أهل الجنة من الحور العين أو من زوجاته وذرياته إذا كانوا مؤمنين ، فدلت هذه الآية على أنه سبحانه أعد له ولأهله في الجنة ما يليق به من الثواب ،
عن عائشة رضي اللّه عنها قالت : « سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : اللهم حاسبني حسابا يسيرا ، قلت وما الحساب اليسير ؟ قال : ينظر في كتابه ويتجاوز عن سيئاته ، فأما من نوقش في الحساب فقد هلك »
و
عن عائشة قالت : « قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : من نوقش الحساب فقد هلك » فقلت : يا رسول اللّه إن اللّه يقول :
فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً
قال : « ذلك العرض ، ولكن من نوقش الحساب عذب »
وفي قوله :