تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 59

مساهمون:

ص٥٩
بل أمره بما لم يقض له به . وأعم أن عادة اللّه تعالى جارية في القرآن بأنه كلما ذكر الدلائل الموجودة في الأنفس ، فإنه يذكر عقيبها الدلائل الموجودة في الآفاق فجرى هاهنا على تلك العادة وذكر دلائل الآفاق وبدأ بما يحتاج الإنسان إليه . فقال :

[ سورة عبس ( 80 ) : آية 24 ]

فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ ( 24 ) الذي يعيش به كيف دبرنا أمره ، ولا شك أنه موضع الاعتبار ، فإن الطعام الذي يتناول الإنسان له حالتان إحداهما : متقدمة وهي الأمور التي لا بد من وجودها حتى يدخل ذلك الطعام في الوجود والثانية : متأخرة ، وهي الأمور التي لا بد منها في بدن الإنسان حتى يحصل له الانتفاع بذلك الطعام المأكول ، ولما كان النوع الأول أظهر للحسن « 1 » وأبعد عن الشبهة ، لا جرم اكتفى اللّه تعالى بذكره ، لأن دلائل القرآن لا بد وأن تكون بحيث ينتفع بها كل الخلق ، فلا بد وأن تكون أبعد عن اللبس والشبهة ، وهذا هو المراد من قوله :
فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ
واعلم أن النبت إنما يحصل من القطر النازل من السماء الواقع في الأرض ، فالسماء كالذكر ، والأرض كالأنثى فذكر في بيان نزل القطر . قوله :

[ سورة عبس ( 80 ) : آية 25 ]

أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا ( 25 ) وفيه مسألتان : المسألة الأولى : قوله :
صَبَبْنَا
المراد منه الغيث ، ثم انظر في أنه كيف حدث الغيث المشتمل على هذه المياه العظيمة ، وكيف بقي معلقا في جو السماء مع غاية ثقله ، وتأمل في أسبابه القريبة والبعيدة ، حتى يلوح لك شيء من آثار نور اللّه وعدله وحكمته ، وفي تدبير خلقة هذا العالم . المسألة الثانية : قرئ ( إنا ) بالكسر ، وهو على الاستئناف ، وأنا بالفتح على البدل من الطعام والتقدير فلينظر الإنسان إلى أنا كيف صببنا الماء قال أبو علي الفارسي : من قرأ بكسر إنا كان ذلك تفسيرا للنظر إلى طعامه كما أن قوله :
لَهُمْ مَغْفِرَةٌ *
[ الأنفال : 74 ] تفسير للوعد ، ومن فتح فعلى معنى البدل بدل الاشتمال ، لأن هذه الأشياء تشتمل على كون الطعام وحدوثه ، فهو كقوله :
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ
[ البقرة : 217 ] وقوله :
قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ
[ البروج : 4 ، 5 ] . قوله تعالى :

[ سورة عبس ( 80 ) : آية 26 ]

ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا ( 26 ) والمراد شق الأرض بالنبات ، ثم ذكر تعالى ثمانية أنواع من النبات : أولها : الحب : وهو المشار إليه بقوله :

[ سورة عبس ( 80 ) : آية 27 ]

فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا ( 27 ) وهو كل ما حصد من نحو الحنطة والشعير وغيرهما ، وإنما قدم ذلك لأنه كالأصل في الأغذية .

[ سورة عبس ( 80 ) : آية 28 ]

وَعِنَباً وَقَضْباً ( 28 )
هامش
( 1 ) في الأصل ( أظهر للجنس ) ولعل ما ذكرته هو الصواب ولا سيما إذا قورن بما يأتي في السطر التالي .
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 59 | فخر الدين الرازي