المسألة الثانية : ذكروا في تفسيره أقوالا أحدها : قال بعضهم : المراد تسهيل خروجه من بطن أمه ، قالوا :
إنه كان رأس المولود في بطن أمه من فوق ورجلاه من تحت ، فإذا جاء وقت الخروج انقلب ، فمن الذي أعطاه ذلك الإلهام إلا اللّه ، ومما يؤكد هذا التأويل أن خروجه حيا من ذلك المنفذ الضيق من أعجب العجائب وثانيها :
قال أبو مسلم : المراد من هذه الآية ، هو المراد من قوله :
وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ
[ البلد : 10 ] فهو يتناول التمييز بين كل خير وشر يتعلق بالدنيا ، وبين كل خير وشر يتعلق بالدين أي جعلناه متمكنا من سلوك سبيل الخير والشر ، والتيسير يدخل فيه الإقدار والتعريف والعقل وبعثة الأنبياء ، وإنزال الكتب وثالثها : أن هذا مخصوص بأمر الدين ، لأن لفظ السبيل مشعر بأن المقصود أحوال الدنيا [ لا ] أمور تحصل في الآخرة . وأما المرتبة الثانية :
وهي المرتبة الأخيرة ، فهي قوله تعالى :
[ سورة عبس ( 80 ) : الآيات 21 إلى 22 ]
ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ ( 21 ) ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ ( 22 )
واعلم أن هذه المرتبة الثالثة مشتملة أيضا على ثلاث مراتب ، الإماتة ، والإقبار ، والإنشار ، أما الإماتة فقد ذكرنا منافعها في هذا الكتاب ، ولا شك أنها هي الواسطة بين حال التكليف والمجازاة ، وأما الإقبار فقال الفراء :
جعله اللّه مقبورا ولم يجعله ممن يلقى للطير والسباع ، لأن القبر مما أكرم به المسلم « 1 » قال : ولم يقل فقبره ، لأن القابر هو الدافن بيده ، والمقبر هو اللّه تعالى ، يقال قبر الميت إذا دفنه وأقبر الميت ، إذا أمر غيره بأن يجعله في القبر ، والعرب تقول : بترت ذنب البعير ، واللّه أبتره وعضبت قرن الثور ، واللّه أعضبه ، وطردت فلانا عني ، واللّه أطرده . أي صيره طريدا ، وقوله تعالى :
ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ
المراد منه الإحياء [ و ] البعث ، وإنما قال : إذا شاء إشعارا بأن وقته غير معلوم لنا ، فتقديمه وتأخيره موكول إلى مشيئة اللّه تعالى ، وأما سائر الأحوال / المذكورة قبل ذلك فإنه يعلم أوقاتها من بعض الوجوه ، إذا الموت وإن لم يعلم الإنسان وقته ففي الجملة يعلم أنه لا يتجاوز فيه إلا حدا معلوما .
[ سورة عبس ( 80 ) : آية 23 ]
كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ ( 23 )
وأعلم أن قوله :
كَلَّا
ردع للإنسان عن تكبره وترفعه ، أو عن كفره وإصراره على إنكار التوحيد ، وعلى إنكاره البعث والحشر والنشر ، وفي قوله :
لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ
وجوه أحدها : قال مجاهد لا يقضي أحد جميع ما كان مفروضا عليه أبدا ، وهو إشارة إلى أن الإنسان لا ينفك عن تقصير البتة ، وهذا التفسير عندي فيه نظر ، لأن قوله :
لَمَّا يَقْضِ
الضمير فيه عائد إلى المذكور السابق ، وهو الإنسان في قوله :
قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ
[ عبس : 17 ] وليس المراد من الإنسان هاهنا جميع الناس بل الإنسان الكافر فقوله :
لَمَّا يَقْضِ
كيف يمكن حمله على جميع الناس وثانيها : أن يكون المعنى أن الإنسان المترفع المتكبر لم يقض ما أمر به من ترك التكبر ، إذ المعنى أن ذلك الإنسان الكافر لما يقض ما أمر به من التأمل في دلائل اللّه ، والتدبر في عجائب خلقه وبينات حكمته وثالثها : قال الأستاذ أبو بكر بن فورك : كلا لم يقض اللّه لهذا الكافر ما أمره به من الإيمان وترك التكبر ،
هامش
( 1 ) الأولى أن يقال : ( ربما أكرم به الإنسان ) لأن الإقبار ليس خاصا بالمسلم بل هو عام يشمل المسلم والكافر . لا سيما والإنسان المتحدث عنه في صدر الآية المراد به الكافر فقط .