المسألة الأولى : في تفسيره وجوه أحدها : أي والقادر العظيم القدرة الذي قدر على خلق الذكر والأنثى من ماء واحد ، وقيل : هما آدم وحواء وثانيها : أي وخلقه الذكر والأنثى وثالثها : ما بمعنى من أي ومن خلق الذكر والأنثى ، أي والذي خلق الذكر والأنثى .
المسألة الثانية :
قرأ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم والذكر والأنثى
وقرأ ابن مسعود : ( والذي خلق الذكر والأنثى ) وعن الكسائي :
وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى
بالجر ، ووجهه أن يكون معنى :
وَما خَلَقَ
أي وما خلقه اللّه تعالى ، أي مخلوق اللّه ، ثم يجعل الذكر والأنثى بدلا منه ، أي ومخلوق اللّه الذكر والأنثى ، وجاز إضمار اسم اللّه لأنه معلوم أنه لا خالق إلا هو .
المسألة الثالثة : القسم بالذكر والأنثى يتناول القسم بجميع ذوي الأرواح الذين هم أشرف المخلوقات ، لأن كل حيوان فهو إما ذكر أو أنثى والخنثى فهو في نفسه لا بد وأن يكون إما ذكرا أو أنثى ، بدليل أنه لو حلف بالطلاق ، أنه لم يلق في هذا اليوم لا ذكرا ولا أنثى ، وكان قد لقى خنثى فإنه يخنث في يمينه .
[ سورة الليل ( 92 ) : آية 4 ]
إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ( 4 )
هذا الجواب القسم ، فأقسم تعالى بهذه الأشياء ، أن أعمال عباده لشتى أي مختلفة في الجزاء وشتى جمع شتيت مثل مرضى ومريض ، وإنما قيل للمختلف : شتى ، لتباعد ما بين بعضه وبعضه ، والشتات هو التباعد والافتراق ، فكأنه قيل : إن عملكم لمتباعد بعضه من بعض ، لأن بعضه ضلال وبعضه هدى ، وبعضه يوجب الجنان ، وبعضه يوجب النيران ، فشتان ما بينهما ، ويقرب من هذه الآية قوله :
لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ
[ الحشر : 20 ] وقوله :
أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ
[ السجدة : 18 ] وقوله :
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ
[ الجاثية : 21 ] وقال :
وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ
[ فاطر : 21 ] قال المفسرون : نزلت هذه الآية في أبي بكر وأبي سفيان .
ثم إنه سبحانه بين معنى اختلاف الأعمال فيما قلناه من العاقبة المحمودة والمذمومة والثواب والعقاب ، فقال :
[ سورة الليل ( 92 ) : الآيات 5 إلى 10 ]
فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى ( 5 ) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى ( 6 ) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى ( 7 ) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى ( 8 ) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى ( 9 )
فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى ( 10 )
[ في قوله تعالى
فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى
] وفي قوله
أَعْطى
وجهان : أحدهما : أن يكون المراد إنفاق المال في جميع وجوه الخير من عتق الرقاب