تعالى :
كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ
[ الحاقة : 4 ] أي بالعذاب الذي حل بها ، ثم قال :
فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ
[ الحاقة : 5 ] فسمى ما أهلكوا به من العذاب طاغية .
[ سورة الشمس ( 91 ) : آية 12 ]
إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها ( 12 )
انبعث مطاوع بعث يقال : بعثت فلانا على الأمر فانبعث له ، والمعنى أنه كذبت ثمود بسبب طغيانهم حين انبعث أشقاها وهو عاقر الناقة وفيه قولان : أحدهما : أنه شخص معين واسمه قدار بن سالف ويضرب به المثل يقال : أشأم من قدار ، وهو أشقى الأولين بفتوى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم والثاني : يجوز أن يكونوا جماعة ، وإنما جاء على لفظ الوحدان لتسويتك في أفعل التفضيل إذا أضفته بين الواحد والجمع والمذكر والمؤنث تقول : هذان أفضل الناس وهؤلاء أفضلهم ، وهذا يتأكد بقوله :
فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها
[ الشمس : 14 ] وكان يجوز أن يقال أشقوها كما يقال أفاضلهم . / أما قوله تعالى :
[ سورة الشمس ( 91 ) : آية 13 ]
فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ناقَةَ اللَّهِ وَسُقْياها ( 13 )
ففيه مسائل :
المسألة الأولى : المراد من الرسول صالح عليه السلام
ناقَةَ اللَّهِ
أي أنه أشار إليه لما هموا بعقرها وبلغه ما عزموا عليه ، وقال لهم هي : ناقة اللّه وآيته الدالة على توحيده وعلى نبوتي ، فاحذروا أن تقوموا عليها بسوء ، واحذروا أيضا أن تمنعوها من سقياها ، وقد بينا في مواضع من هذا الكتاب أنه كان لها شرب يوم ولهم ولمواشيهم شرب يوم ، وكانوا يستضرون بذلك في أمر مواشيهم ، فهموا بعقرها ، وكان صالح عليه السلام يحذرهم حالا بعد حال من عذاب ينزل بهم إن أقدموا على ذلك ، وكانت هذه الحالة متصورة في نفوسهم ، فاقتصر على أن قال لهم :
ناقَةَ اللَّهِ وَسُقْياها
لأن هذه الإشارة كافية مع الأمور المتقدمة التي ذكرناها .
المسألة الثانية :
ناقَةَ اللَّهِ
نصب على التحذير ، كقولك الأسد الأسد ، والصبي الصبي بإضمار ذروا عقرها واحذروا سقياها ، فلا تمنعوها عنها ، ولا تستأثروا بها عليها .
[ سورة الشمس ( 91 ) : آية 14 ]
فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاها ( 14 )
ثم بين تعالى أن القوم لم يمتنعوا عن تكذيب صالح ، وعن عقر الناقة بسبب العذاب الذي أنذرهم اللّه تعالى به وهو المراد بقوله :
فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها
ثم يجوز أن يكون المباشر للعقر واحدا وهو قدار ، فيضاف الفعل إليه بالمباشرة ، كما قال : فتعاطى فعقر ويضاف الفعل إلى الجماعة لرضاهم بما فعل ذلك الواحد . قال قتادة : ذكر لنا أنه أبى أن يعقرها حتى بايعه صغيرهم وكبيرهم وذكرهم وأنثاهم ، وهو قول أكثر المفسرين . وقال الفراء : قيل إنهما كانا اثنين .
أما قوله تعالى :
فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاها
فاعلم أن في الدمدمة وجوها أحدها : قال الزجاج : معنى دمدم أطبق عليهم العذاب ، يقال : دمدمت على الشيء إذا أطبقت عليه ، ويقال : ناقة مدمومة ، أي قد ألبسها الشحم ، فإذا كررت الإطباق قلت دمدمت عليه . قال الواحدي : الدم في اللغة اللطخ ، ويقال للشيء السمين : كأنما دم بالشحم دما ، فجعل الزجاج دمدم من هذا الحرف على التضعيف نحو كبكبوا وبابه ،