تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 183

مساهمون:

ص١٨٣
وفك الأسارى وتقوية المسلمين على عدوهم كما كان يفعله أبو بكر سواء كان ذلك واجبا أو نفلا ، وإطلاق هذا كالإطلاق في قوله :
وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ *
[ الأنفال : 3 ] فإن المراد منه كل ذلك إنفاقا في سبيل اللّه سواء كان واجبا أو نفلا ، وقد مدح اللّه قوما فقال :
وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى / حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً
[ الإنسان : 8 ] وقال في آخر هذه السورة :
وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى * وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى * إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى
[ الليل : 17 - 20 ] ، وثانيهما : أن قوله :
أَعْطى
يتناول إعطاء حقوق المال وإعطاء حقوق النفس في طاعة اللّه تعالى ، يقال : فلان أعطى الطاعة وأعطى السعة وقوله :
وَاتَّقى
فهو إشارة إلى الاحتراز عن كل ما لا ينبغي ، وقد ذكرنا أنه هل من شرط كونه متقيا أن يكون محترزا عن الصغائر أم لا في تفسير قوله تعالى :
هُدىً لِلْمُتَّقِينَ
[ البقرة : 2 ] وقوله :
وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى
فالحسنى فيها وجوه أحدها : أنها قول لا إله إلا اللّه ، والمعنى : فأما من أعطى واتقى وصدق بالتوحيد والنبوة حصلت له الحسنى ، وذلك لأنه لا ينفع مع الكفر إعطاء مال ولا اتقاء محارم ، وهو كقوله :
أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ
إلى قوله :
ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا
[ البلد : 14 - 17 ] وثانيها : أن الحسنى عبارة عما فرضه اللّه تعالى من العبادات على الأبدان وفي الأموال كأنه قيل : أعطى في سبيل اللّه واتقى المحارم وصدق بالشرائع ، فعلم أنه تعالى لم يشرعها إلا لما فيها من وجوه الصلاح والحسن وثالثها : أن الحسنى هو الخلف الذي وعده اللّه في قوله :
وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ
[ سبأ : 39 ] والمعنى : أعطى من ماله في طاعة اللّه مصدقا بما وعده اللّه من الخلف الحسن ، وذلك أنه قال :
مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
[ البقرة : 261 ] فكان الخلف لما كان زائدا صح إطلاق لفظ الحسنى عليه ، وعلى هذا المعنى :
وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى
أي لم يصدق بالخلف ، فبخل بماله لسوء ظنه بالمعبود ، كما قال بعضهم : منع الموجود ، سوء ظن بالمعبود ، وروي عن أبي الدرداء أنه قال : « ما من يوم غربت فيه الشمس إلا وملكان يناديان يسمعهما خلق اللّه كلهم إلا الثقلين . اللهم أعط كل منفق خلفا وكل ممسك تلفا » ورابعها : أن الحسنى هو الثواب ، وقيل : إنه الجنة ، والمعنى واحد ، قال قتادة : صدق بموعود اللّه فعمل لذلك الموعود ، قال القفال : وبالجملة أن الحسنى لفظة تسع كل خصلة حسنة ، قال اللّه تعالى :
قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ
[ التوبة : 52 ] يعني النصر أو الشهادة ، وقال تعالى :
وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً
[ الشورى : 23 ] فسمى مضاعفة الأجر حسنى ، وقال :
إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى
[ فصلت : 50 ] . وأما قوله :
فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى
ففيه مسائل : المسألة الأولى : في تفسير هذه اللفظة وجوه أحدها : أنها الجنة وثانيها : أنها الخير وقالوا في العسرى : أنها الشرك وثالثها : المراد منه أن يسهل عليه كل ما كلف به من الأفعال والتروك ، والمراد من العسرى تعسير كل ذلك عليه ورابعها : اليسرى هي العود إلى الطاعة التي أتى بها أولا ، فكأنه قال فسنيسره لأن يعود إلى الإعطاء في سبيل اللّه ، وقالوا : في العسرى ضد ذلك أي نيسره لأن يعود إلى البخل والامتناع من أداء الحقوق المالية ، قال القفال : ولكل هذه الوجوه مجاز من اللغة ، وذلك لأن الأعمال بالعواقب ، فكل ما أدت عاقبته إلى يسر وراحة وأمور محمودة ، فإن ذلك من اليسرى ، وذلك وصف كل الطاعات ، وكل ما أدت عاقبته إلى عسر / وتعب فهو من العسرى ، وذلك وصف كل المعاصي . المسألة الثانية : التأنيث في لفظ اليسرى ، ولفظ العسرى فيه وجوه أحدها : أن المراد من اليسرى