جميع الوجوه فلا يستقيم على قوله شيء من هذه الوجوه ، بل يلزمه القطع بأن وجدان الدنيا هو السعادة وفقدانها هو الشقاوة ، ولكن فيه دقيقة أخرى وهي أنه ربما كان وجدان الدنيا الكثيرة سببا للقتل والنهب والوقوع في أنواع العذاب ، فربما كان الحرمان سببا لبقاء السلامة ، فعلى هذا التقدير لا يجوز أيضا لمنكر البعث من جميع الوجوه أن يقضي على صاحب الدنيا بالسعادة ، وعلى فاقدها بالهوان ، فربما ينكشف له أن الحال بعد ذلك بالضد ، وفي الآية سؤالات :
السؤال الأول : قوله :
فَأَمَّا الْإِنْسانُ
المراد منه شخصين معين أو الجنس ؟ الجواب : فيه قولان : الأول :
أن المراد منه شخصين معين ، فروي عن ابن عباس أنه عتبة بن ربيعة ، وأبو حذيفة ابن المغيرة ، وقال الكلبي :
هو أبي بن خلف ، وقال مقاتل : نزلت في أمية بن خلف والقول الثاني : أن المراد من كان موصوفا بهذا الوصف وهو الكافر الجاحد ليوم الجزاء .
السؤال الثاني : كيف سمي بسط الرزق وتقديره ابتلاء ؟ الجواب : لأن كل واحد منهما اختبار للعبد ، فإذا بسط له فقد اختبر حاله أيشكر أم يكفر ، وإذا قدر عليه فقد اختبر حاله أيصبر أم يجزع ، فالحكمة فيهما واحدة ، ونحوه قوله تعالى :
وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً
[ الأنبياء : 35 ] .
السؤال الثالث : لما قال :
فَأَكْرَمَهُ
فقد صحح أنه أكرمه . وأثبت ذلك ثم إنه لما حكى عنه أنه قال :
رَبِّي أَكْرَمَنِ
ذمه عليه فكيف الجمع بينهما ؟ والجواب : لأن كلمة الإنكار هي قوله :
كَلَّا
فلم لا يجوز أن يقال : إنها مختصة بقوله :
رَبِّي أَهانَنِ
سلمنا أن الإنكار عائد إليهما معا ولكن فيه وجوه ثلاثة أحدها : أنه اعتقد حصول الاستحقاق في ذلك الإكرام الثاني : أن نعم اللّه تعالى كانت حاصلة قبل وجدان المال ، وهي نعمة سلامة البدن والعقل والدين ، فلما لم يعترف بالنعمة إلا عند وجدان المال ، علمنا أنه ليس غرضه من ذلك شكر نعمة اللّه ، بل التصلف بالدنيا والتكثر بالأموال والأولاد الثالث : أن تصلفه بنعمة الدنيا وإعراضه عن ذكر نعمة الآخرة يدل على كونه منكرا للبعث ، فلا جرم استحق الذم على ما حكى اللّه تعالى ذلك ، فقال :
وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ، قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً * وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً
إلى قوله :
أَ كَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ
[ الكهف : 35 - 37 ] .
السؤال الرابع : لم قال في القسم الأول :
إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ
وفي القسم الثاني :
وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ
فذكر الأول بالفاء والثاني بالواو ؟ والجواب : لأن رحمة اللّه سابقة على غضبه وابتلاءه بالنعم سابق على ابتلائه بإنزال الآلام ، فالفاء تدل على كثرة ذلك القسم وقبله الثاني على ما قال :
وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها
[ النحل : 18 ] .
السؤال الخامس : لما قال في القسم الأول :
فَأَكْرَمَهُ
. . .
فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ
يجب أن يقول في القسم الثاني : فأهانه فيقول :
رَبِّي أَهانَنِ
لكنه لم يقل ذلك والجواب : لأنه في قوله :
أَكْرَمَنِ
صادق وفي قوله :
أَهانَنِ
غير صادق فهو ظن قلة الدنيا وتقتيرها إهانة ، وهذا جهل واعتقاد فاسد ، فكيف يحكي اللّه سبحانه ذلك عنه .
السؤال السادس : ما معنى قوله :
فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ
؟ الجواب : ضيق عليه بأن جعله على مقدار البلغة ،