الصفة الثانية : من صفات ذلك اليوم قوله :
وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا
.
واعلم أنه ثبت بالدليل العقلي أن الحركة على اللّه تعالى محال ، لأن كل ما كان كذلك كان جسما والجسم يستحيل أن يكون أزليا فلا بد فيه من التأويل ، وهو أن هذا من باب حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه ، ثم ذلك المضاف ما هو ؟ فيه وجوه أحدها : وجاء أمر ربك بالمحاسبة والمجازاة وثانيها : وجاء قهر ربك كما يقال جاءتنا بنو أمية أي قهرهم وثالثها : وجاء جلائل آيات ربك لأن هذا يكون يوم القيامة ، وفي ذلك اليوم تظهر العظائم وجلائل الآيات ، فجعل مجيئها مجيئا له تفخيما لشأن تلك الآيات ورابعها : وجاء ظهور ربك ، وذلك لأن معرفة اللّه تصير في ذلك اليوم ضرورية فصار ذلك كظهوره وتجليه للخلق ، فقيل :
وَجاءَ رَبُّكَ
أي زالت الشبهة وارتفعت / الشكوك خامسها : أن هذا تمثيل لظهور آيات اللّه وتبيين آثار قهره وسلطانه ، مثلت حاله في ذلك بحال الملك إذا حضر بنفسه ، فإنه يظهر بمجرد حضوره من آثار الهيبة والسياسة ما لا يظهر بحضور عساكره كلها وسادسها : أن الرب هو المربى ، ولعل ملكا هو أعظم الملائكة هو مربي للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم جاء فكان هو المراد من قوله :
وَجاءَ رَبُّكَ
.
أما قوله :
وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا
فالمعنى أنه تنزل ملائكة كل سماء فيصطفون صفا بعد صف محدقين بالجن والإنس .
الصفة الثالثة : من صفات ذلك اليوم قوله تعالى :
وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ
ونظيره قوله تعالى :
وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ
[ الشعراء : 91 ] قال جماعة من المفسرين : جيء بها يوم القيامة مزمومة بسبعين ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها حتى تنصب عن يسار العرش فتشرد شردة لو تركت لأحرقت أهل الجمع ، قال الأصوليون : ومعلوم أنها لا تنفك عن مكانها ، فالمراد
وَبُرِّزَتِ
أي ظهرت حتى رآها الخلق ، وعلم الكافر أن مصيره إليها ، ثم قال :
يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ
واعلم أن تقدير الكلام : إذا دكت الأرض ، وحصل كذا وكذا فيومئذ يتذكر الإنسان ، وفي تذكره وجوه الأول : أنه يتذكر ما فرط فيه لأنه حين كان في الدنيا كانت همته تحصيل الدنيا ، ثم إنه في الآخرة يتذكر أن ذلك كان ضلالا ، وكان الواجب عليه أن تكون همته تحصيل الآخرة الثاني : يتذكر أي يتعظ ، والمعنى أنه ما كان يتعظ في الدنيا فيصير في الآخرة متعظا فيقول :
يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا
[ الأنعام : 27 ] ، الثالث : يتذكر يتوب وهو مروي عن الحسن ، ثم قال تعالى :
وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى
وقد جاءهم رسول مبين .
واعلم أن بين قوله :
يَتَذَكَّرُ
وبين قوله :
وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى
تناقضا فلا بد من إضمار المضاف والمعنى ومن أين له منفعة الذكرى .
ويتفرع على هذه الآية مسألة أصوليه ، وهي أن قبول التوبة عندنا غير واجب على اللّه عقلا ، وقالت المعتزلة : هو واجب فنقول : الدليل على قولنا أن الآية دلت هاهنا على أن الإنسان يعلم في الآخرة أن الذي يعمله في الدنيا لم يكن أصلح له وإن الذي تركه كان أصلح له ، ومهما عرف ذلك لا بد وأن يندم عليه ، وإذا حصل الندم فقد حصلت التوبة ، ثم إنه تعالى نفى كون تلك التوبة نافعة بقوله :
وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى
فعلمنا أن التوبة لا يجب عقلا قبولها ، فإن قيل : القوم إنما ندموا على أفعالهم لا لوجه قبحها بل لترتب العقاب عليها ، فلا