تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 716

مساهمون:

ص٧١٦
المقصود من السؤال زيادة التوبيخ والتخجيل ، والمعنى ما حبسكم في هذه الدركة من النار ؟ فأجابوا بأن هذا العذاب لأمور أربعة : أولها :
قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ
وثانيها : لم نك نطعم المسكين ، وهذان يجب أن يكونا محمولين على الصلاة الواجبة ، والزكاة الواجبة لأن ما ليس بواجب ، لا يجوز أن يعذبوا على تركه وثالثها :
وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ
والمراد منه الأباطيل ورابعها :
وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ
أي بيوم القيامة حتى أتانا اليقين ، أي الموت قال تعالى :
حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ
[ الحجر : 99 ] والمعنى أنا بقينا على إنكار القيامة إلى وقت الموت ، وظاهر اللفظ يدل على أن كل أحد من أولئك الأقوام كان موصوفا بهذه الخصال الأربعة ، واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن الكفار يعذبون بترك فروع الشرائع ، والاستقصاء فيه قد ذكرناه في « المحصول من أصول الفقه » ، فإن قيل : لم أخر التكذيب ، وهو أفحش تلك الخصال الأربعة ، قلنا أريد أنهم بعد اتصافهم بتلك الأمور الثلاثة كانوا مكذبين بيوم الدين ، والغرض تعظيم هذا الذنب ، كقوله :
ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا
[ البلد : 17 ] . ثم قال تعالى :

[ سورة المدثر ( 74 ) : آية 48 ]

فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ ( 48 ) واحتج أصحابنا على ثبوت الشفاعة للفساق بمفهوم هذه الآية ، وقالوا : إن تخصيص هؤلاء بأنهم لا تنفعهم شفاعة الشافعين يدل على أن غيرهم تنفعهم شفاعة الشافعين . ثم قال تعالى :

[ سورة المدثر ( 74 ) : آية 49 ]

فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ ( 49 ) أي عن الذكر وهو العظة يريد القرآن أو غيره من المواعظ ، ومعرضين نصب على الحال كقولهم مالك قائما . / ثم شبههم في نفورهم عن القرآن بحمر نافرة فقال :

[ سورة المدثر ( 74 ) : الآيات 50 إلى 51 ]

كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ ( 50 ) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ ( 51 ) قال ابن عباس : يريد الحمر الوحشية ، ومستنفرة أي نافرة . يقال : نفر واستنفر مثل سخر ، واستسخر ، وعجب واستعجب ، وقرئ بالفتح ، وهي المنفرة المحمولة على النفار ، قال أبو علي الفارسي : الكسر في مستنفرة أولى ألا ترى أنه قال :
فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ
وهذا يدل على أنها هي استنفرت ، ويدل على صحة ما قال أبو علي أن محمد بن سلام قال : سألت أبا سوار الغنوي ، وكان أعرابيا فصيحا ، فقلت : كأنهم حمر ماذا ؟ فقال : مستنفرة طردها قسورة ، قلت : إنما هو فرت من قسورة ، قال أفرت ؟ قلت : نعم ، قال فمستنفرة إذا . ثم قال تعالى :
فَرَّتْ
يعني الحمر
مِنْ قَسْوَرَةٍ
. وذكروا في القسورة وجوها أحدها : أنها الأسد يقال : ليوث قساور ، وهي فعولة من القسر وهو القهر ، والغلبة سمي بذلك لأنه يقهر السباع ، قال ابن عباس : الحمر الوحشية إذا عاينت الأسد هربت كذلك هؤلاء المشركين إذا رأوا محمدا صلى اللّه عليه وسلم هربوا منه ، كما يهرب الحمار من الأسد ، ثم قال ابن عباس : القسورة ، هي الأسد بلسان الحبشة ، وخالف عكرمة فقال : الأسد بلسان الحبشة ، عنبسة وثانيها : القسورة ، جماعة الرماة الذين يتصيدونها ، قال الأزهري : هو اسم جمع للرماة لا واحد