تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 654

مساهمون:

ص٦٥٤
واعلم أنه تعالى تارة يبدأ بدلائل الأنفس ، وبعدها بدلائل الآفاق كما في هذه الآية ، وذلك لأن نفس الإنسان أقرب الأشياء إليه ، فلا جرم بدأ بالأقرب ، وتارة يبدأ بدلائل الآفاق ، ثم بدلائل الأنفس إما لأن دلائل الآفاق أبهر وأعظم ، فوقعت البداية بها لهذا السبب ، أو لأجل / أن دلائل الأنفس حاضرة ، لا حاجة بالعاقل إلى التأمل فيها ، إنما الذي يحتاج إلى التأمل فيه دلائل الآفاق ، لأن الشبه فيها أكثر ، فلا جرم تقع البداية بها ، وهاهنا سؤالات : السؤال الأول : قوله :
سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً
يقتضي كون بعضها منطبقا على البعض ، وهذا يقتضي أن لا يكون بينها فرج ، فالملائكة كيف يسكنون فيها ؟ الجواب : الملائكة أرواح فلعل المراد من كونها طباقا كونها متوازية لا أنها متماسة . السؤال الثاني : كيف قال :
وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً
والقمر ليس فيها بأسرها بل في السماء الدنيا ؟ والجواب : هذا كما يقال السلطان في العراق ليس المراد أن ذاته حاصلة في جميع أحياز العراق بل إن ذاته في حيز من جملة أحياز العراق فكذا هاهنا . السؤال الثالث : السراج ضوءه عرضي وضوء القمر عرضي متبدل فتشبيه القمر بالسراج أولى من تشبيه الشمس به الجواب : الليل عبارة عن ظل الأرض والشمس لما كانت سببا لزوال ظل الأرض كانت شبيهة بالسراج ، وأيضا فالسراج له ضوء والضوء أقوى من النور فجعل الأضعف للقمر والأقوى للشمس ، ومنه قوله تعالى :
هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً
[ يونس : 5 ] .

[ سورة نوح ( 71 ) : الآيات 17 إلى 18 ]

وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً ( 17 ) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها وَيُخْرِجُكُمْ إِخْراجاً ( 18 ) الدليل الثالث : على التوحيد قوله تعالى : واعلم أنه تعالى رجع هاهنا إلى دلائل الأنفس وهو كالتفسير لقوله :
خَلَقَكُمْ أَطْواراً
[ نوح : 14 ] فإنه بين أنه تعالى خلقهم من الأرض ثم يردهم إليها ثم يخرجهم منها مرة أخرى ، أما قوله :
أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً
ففيه مسألتان : المسألة الأولى : في هذه الآية وجهان أحدهما : معنى قوله :
أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ
أي أنبت أباكم من الأرض كما قال :
إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ
[ آل عمران : 59 ] . والثاني : أنه تعالى أنبت الكل من الأرض لأنه تعالى إنما يخلقنا من النطف وهي متولدة من الأغذية المتولدة من النبات المتولد من الأرض . المسألة الثانية : كان ينبغي أن يقال : أنبتكم إنباتا إلا أنه لم يقل ذلك بل قال : أنبتكم نباتا ، والتقدير أنبتكم فنبتم نباتا ، وفيه دقيقة لطيفة : وهي أنه لو قال : أنبتكم إنباتا كان المعنى أنبتكم إنباتا عجيبا غريبا ، ولما قال : أنبتكم نباتا كان المعنى أنبتكم فنبتم نباتا عجيبا ، وهذا الثاني أولى لأن الإنبات صفة للّه تعالى وصفة اللّه غير محسوسة لنا ، فلا نعرف أن ذلك الإنبات إنبات عجيب كامل إلا / بواسطة إخبار اللّه تعالى ، وهذا المقام مقام