[ سورة نوح ( 71 ) : آية 13 ]
ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً ( 13 )
وفيه قولان : الأول : أن الرجاء هاهنا بمعنى الخوف ومنه قول الهذلي :
إذا لسعته النحل لم يرج لسعها
والوقار العظمة والتوقير التعظيم ، ومنه قوله تعالى :
وَتُوَقِّرُوهُ
[ الفتح : 9 ] بمعنى ما بالكم لا تخافون للّه عظمة . وهذا القول عندي غير جائز ، لأن الرجاء ضد الخوف في اللغة المتواترة الظاهرة ، فلو قلنا : إن لفظة الرجاء في اللغة موضوعة بمعنى الخوف لكان ذلك ترجيحا للرواية الثابتة بالآحاد على الرواية / المنقولة بالتواتر وهذا يفضي إلى القدح في القرآن ، فإنه لا لفظ فيه إلا ويمكن جعل نفيه إثباتا وإثباته نفيا بهذا الطريق الوجه الثاني : ما ذكره صاحب « الكشاف » وهو أن المعنى : ما لكم لا تأملون للّه توقيرا أي تعظيما ، والمعنى مالكم لا تكونوا على حال تأملون فيها تعظيم اللّه إياكم و
لِلَّهِ
بيان للموقر ، ولو تأخر لكان صلة للوقار .
[ سورة نوح ( 71 ) : آية 14 ]
وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً ( 14 )
في موضع الحال كأنه قال : ما لكم لا تؤمنون باللّه ، والحال هذه وهي حال موجبة للإيمان به
وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً
أي تارات خلقكم أولا ترابا ، ثم خلقكم نطفا ، ثم خلقكم علقا ، ثم خلقكم مضغا ، ثم خلقكم عظاما ولحما ، ثم أنشأكم خلقا آخر ، وعندي فيه وجه ثالث : وهو أن القوم كانوا يبالغون في الاستخفاف بنوح عليه السلام فأمرهم اللّه تعالى بتوقيره وترك الاستخفاف به ، فكأنه قال لهم : إنكم إذا وقرتم نوحا وتركتم الاستخفاف به كان ذلك لأجل اللّه ، فما لكم لا ترجون وقارا وتأتون به لأجل اللّه ولأجل أمره وطاعته ، فإن كل ما يأتي به الإنسان لأجل اللّه ، فإنه لا بد وأن يرجو منه خيرا ووجه رابع : وهو أن الوقار وهو الثبات من وقر إذا ثبت واستقر ، فكأنه قال :
ما لَكُمْ
وعند هذا تم الكلام ، ثم قال على سبيل الاستفهام بمعنى الإنكار
لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً
[ الجن : 13 ] أي لا ترجون للّه ثباتا وبقاء ، فإنكم لو رجوتم ثباته وبقاءه لخفتموه ، ولما أقدمتم على الاستخفاف برسله وأوامره ، والمراد من قوله :
تَرْجُونَ
أي تعتقدون لأن الراجي للشيء معتقد له .
واعلم أنه لما أمر في هذه الآية بتعظيم اللّه استدل على التوحيد بوجوه من الدلائل :
الأول : قوله :
وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً
وفيه وجهان : الأول : قال الليث : الطورة التارة يعني حالا بعد حال كما ذكرنا أنه كان نطفة ، ثم علقة إلى آخر التارات الثاني : قال ابن الأنباري : الطور الحال ، والمعنى خلقكم أصنافا مختلفين لا يشبه بعضكم بعضا ، ولما ذكر هذا الدليل من الأنفس على التوحيد ، أتبعه بذكر الدليل التوحيد من الآفاق على العادة المعهودة في كل القرآن . .
[ سورة نوح ( 71 ) : الآيات 15 إلى 16 ]
أَ لَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً ( 15 ) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً ( 16 )
الدليل الثاني : على التوحيد قوله تعالى :