المسألة الثالثة : الباء في قوله :
بِماءٍ مُنْهَمِرٍ
ما وجهه وكيف موقعه ؟ نقول فيه وجهان أحدهما : كما هي في قول القائل فتحت الباب بالمفتاح وتقديره هو أن يجعل كأن الماء جاء وفتح الباب وعلى هذا تفسير قول من يقول : يفتح اللّه لك بخير أي يقدر خيرا يأتي ويفتح الباب ، وعلى هذا ففيه لطيفة وهي من بدائع المعاني ، وهي أن يجعل المقصود مقدما في الوجود ، ويقول كأن مقصودك جاء إلى باب مغلق ففتحه وجاءك ، وكذلك قول القائل : لعل اللّه يفتح برزق ، أي يقدر رزقا يأتي إلى الباب الذي كالمغلق فيدفعه ويفتحه ، فيكون اللّه قد فتحه بالرزق ثانيهما :
فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ
مقرونة
بِماءٍ مُنْهَمِرٍ
والانهمار الانسكاب والانصباب صبا شديدا ، والتحقيق فيه أن المطر يخرج من السماء التي هي السحاب خروج مترشح من ظرفه ، وفي ذلك اليوم كان يخرج خروج مرسل خارج من باب . ثم قال تعالى :
[ سورة القمر ( 54 ) : آية 12 ]
وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ( 12 )
[ في قوله تعالى
وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ
] وفيه من البلاغة ما ليس في قول القائل : وفجرنا عيون الأرض ، وهذا بيان التمييز في كثير من المواضع ، إذا قلت ضاق زيد ذرعا ، أثبت ما لا يثبته قولك ضاق ذرع زيد ، وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قال :
وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً
ولم يقل ففتحنا السماء أبوابا ، لأن السماء أعظم من الأرض وهي للمبالغة ، ولهذا قال :
أَبْوابَ السَّماءِ
ولم يقل : أنابيب ولا منافذ ولا مجاري أو غيرها .
وأما قوله تعالى :
وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً
فهو أبلغ من قوله : وفجرنا عيون الأرض ، لأنه يكون حقيقة لا مبالغة فيه ، ويكفي في صحة ذلك القول أن يجعل في الأرض عيونا ثلاثة ، ولا يصلح مع هذا في السماء إلا قول القائل : فأنزلنا من السماء ماء أو مياها ، ومثل هذا الذي ذكرناه في المعنى لا في المعجزة ، والحكمة قوله تعالى :
أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ
[ الزمر : 21 ] حيث لا مبالغة فيه ، وكلامه لا يماثل كلام اللّه ولا يقرب منه ، غير أني ذكرته مثلا :
وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى
[ النحل : 60 ] .
المسألة الثانية : العيون في عيون الماء حقيقة أو مجاز ؟ نقول : المشهور أن لفظ العين / مشترك ، والظاهر أنها حقيقة في العين التي هي آلة الأبصار ومجاز في غيرها ، أما في عيون الماء فلأنها تشبه العين الباصرة التي يخرج منها الدمع ، أو لأن الماء الذي في العين كالنور الذي في العين غير أنها مجاز مشهور صار غالبا حتى لا يفتقر إلى القرينة عند الاستعمال إلا للتمييز بين العينين ، فكما لا يحمل اللفظ على العين الباصرة إلا بقرينة ، كذلك لا يحمل على الفوارة إلا بقرينة مثل : شربت من العين واغتسلت منها ، وغير ذلك من الأمور التي توجد في الينبوع ، ويقال : عانه يعينه إذا أصابه بالعين ، وعينه تعيينا ، حقيقته جعله بحيث تقع عليه العين ، وعاينه معاينة وعيانا ، وعين أي صار بحيث تقع عليه العين .
المسألة الثالثة : قوله تعالى :
فَالْتَقَى الْماءُ
قرئ فالتقى الماءان ، أي النوعان ، منه ماء السماء وماء الأرض ، فتثنى أسماء الأجناس على تأويل صنف ، تجمع أيضا ، يقال : عندي تمران وتمور وأتمار على تأويل نوعين وأنواع منه والصحيح المشهور :
فَالْتَقَى الْماءُ
وله معنى لطيف ، وذلك أنه تعالى لما قال :
فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ
[ القمر : 11 ] ذكر الماء وذكر الانهمار وهو النزول بقوة ، فلما قال :
وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً
كان من الحسن البديع أن يقول : ما يفيد أن الماء نبع منها بقوة ، فقال :
فَالْتَقَى الْماءُ
أي من