تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 464

مساهمون:

ص٤٦٤
أولها : أنها
لَعِبٌ
وهو فعل الصبيان الذين يتعبون أنفسهم جدا ، ثم إن تلك المتاعب تنقضي من غير فائدة وثانيها : أنها
لَهْوٌ
وهو فعل الشبان ، والغالب أن بعد انقضائه لا يبقى إلا الحسرة ، وذلك لأن العاقل بعد انقضائه يرى المال ذاهبا والعمر ذاهبا ، واللذة منقضية ، والنفس ازدادت شوقا وتعطشا إليه مع فقدانها ، فتكون المضار مجتمعة متوالية وثالثها : أنها
زِينَةٌ
وهذا دأب النساء لأن المطلوب من الزينة تحسين القبيح ، وعمارة البناء المشرف على أن يصير خرابا ، والاجتهاد في تكميل الناقص ، ومن المعلوم أن العرضي لا يقاوم الذاتي ، فإذا كانت الدنيا منقضية لذاتها ، فاسدة لذاتها ، فكيف يتمكن العاقل من إزالة هذه المفاسد عنها ، قال ابن عباس : المعنى أن الكافر يشتغل طول حياته بطلب زينة الدنيا دون العمل للآخرة ، وهذا كما قيل : « حياتك يا مغرور سهو وغفلة » ورابعها :
تَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ
بالصفات الفانية الزائلة ، وهو إما التفاخر بالنسب ، أو التفاخر بالقدرة والقوة والعساكر وكلها ذاهبة وخامسها : قوله :
وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ
قال ابن عباس : يجمع المال في سخط اللَّه ، ويتباهى به على أولياء اللَّه ويصرفه في مساخط اللَّه ، فهو ظلمات بعضها فوق بعض ، وأنه لا وجه بتبعية أصحاب الدنيا يخرج عن هذه الأقسام ، وبين أن حال الدنيا إذا لم يخل من هذه الوجوه فيجب أن يعدل عنها إلى ما يؤدي إلى عمارة الآخرة ، ثم ذكر تعالى لهذه الحياة مثلا ، فقال :
كَمَثَلِ غَيْثٍ
يعني المطر ، ونظير قوله تعالى :
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ
[ الكهف : 45 ] والكاف في قوله :
كَمَثَلِ غَيْثٍ
موضعه رفع من وجهين أحدهما : أن يكون صفة لقوله :
لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ
، والآخر : أن يكون خبرا بعد خبر قاله الزجاج ، وقوله :
أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ
فيه قولان : الأول : قال ابن مسعود : المراد من الكفار الزراع قال الأزهري : والعرب تقول للزارع : كافر ، لأنه يكفر البذر الذي يبذره بتراب الأرض ، وإذا أعجب الزراع نباته مع علمهم به فهو في غاية الحسن الثاني : أن المراد بالكفار في هذه الآية الكفار باللَّه وهم أشد إعجابا بزينة الدنيا وحرثها من المؤمنين ، لأنهم لا يرون سعادة سوى سعادة الدنيا ، وقوله :
نَباتُهُ
أي ما نبت من ذلك الغيث ، وباقي الآية مفسر في سورة الزمر . ثم إنه تعالى ذكر بعده حال الآخرة فقال :
وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ
أي لمن كانت حياته بهذه الصفة ، ومغفرة من اللَّه ورضوان لأوليائه وأهل طاعته ، وذلك لأنه لما وصف الدنيا بالحقارة وسرعة الانقضاء ، بين أن الآخرة إما عذاب شديد دائم ، وإما رضوان ، وهو أعظم درجات الثواب ، ثم قال :
وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ
يعني لمن أقبل عليها ، وأعرض بها من طلب الآخرة ، قال سعيد بن جبير : الدنيا متاع الغرور إذا ألهتك عن طلب الآخرة ، فأما إذا دعتك إلى طلب رضوان اللَّه وطلب الآخرة فنعم الوسيلة .

[ سورة الحديد ( 57 ) : آية 21 ]

سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ( 21 ) ثم قال تعالى :
سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ
والمراد كأنه تعالى قال : لتكن مفاخرتكم ومكاثرتكم في غير ما أنتم عليه ، بل احرصوا على أن تكون مسابقتكم في طلب الآخرة . واعلم أنه تعالى أمر بالمسارعة في قوله :
سارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ
ثم شرح هاهنا كيفية تلك