تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 173

مساهمون:

ص١٧٣
وصف اللّه اليوم بالحق في قوله تعالى :
ذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ
[ النبأ : 39 ] خامسها : أنه راجع إلى القول الذي يقال
هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ
[ الذاريات : 14 ] وفي التفسير مباحث : الأول : الفاء تستدعي تعقيب أمر لأمر فما الأمر المتقدم ؟ نقول فيه وجهان أحدهما : الدليل المتقدم كأنه تعالى يقول : إن ما توعدون لحق بالبرهان المبين ، ثم بالقسم واليمين ثانيهما : القسم المتقدم كأنه تعالى يقول
وَالذَّارِياتِ
ثم
فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ
وعلى هذا يكون الفاء حرف عطف أعيد معه حرف القسم كما يعاد الفعل إذ يصح أن يقال ومررت بعمرو ، فقوله
وَالذَّارِياتِ ذَرْواً * فَالْحامِلاتِ وِقْراً
[ الذاريات : 1 ، 2 ] عطف من غير إعادة حرف القسم ، وقوله
فَوَ رَبِّ السَّماءِ
مع إعادة حرفه ، والسبب فيه وقوع الفصل بين القسمين ، ويحتمل أن يقال الأمر المتقدم هو بيان الثواب في قوله
يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ
[ الذاريات : 13 ] وقوله
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ
[ الذاريات : 15 ] وفيه فائدة ، وهو أن الفاء تكون تنبيها على أن لا حاجة إلى اليمين مع ما تقدم من الكشف المبين ، فكأنه يقول ورب السماء والأرض إنه لحق ، كما يقول القائل بعد ما يظهر دعواه هذا واللّه إن الأمر كما ذكرت فيؤكد قوله باليمين ، ويشير إلى ثبوته من غير يمين . البحث الثاني : أقسم من قبل بالأمور الأرضية وهي الرياح وبالسماء في قوله
وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ
[ الذاريات : 7 ] ولم يقسم بربها ، وهاهنا أقسم بربها نقول كذلك الترتيب يقسم المتكلم أولا بالأدنى فإن لم يصدق به يرتقي إلى الأعلى ، ولهذا قال بعض الناس إذا قال قائل وحياتك ، واللّه لا يكفر وإذا قال : واللّه وحياتك لا شك يكفر وهذا استشهاد ، وإن كان الأمر على خلاف ما قاله ذلك القائل لأن الكفر إما بالقلب ، أو باللفظ الظاهر في أمر القلب ، أو بالفعل الظاهر ، وما ذكره ليس بظاهر في تعظيم جانب غير اللّه ، والعجب من ذلك القائل أنه لا يجعل التأخير في الذكر مفيدا للترتيب في الوضوء وغيره . البحث الثالث : قرئ مثل بالرفع وحينئذ يكون وصفا لقوله لحق ومثل وإن أضيف إلى المعرفة لا يخرجه عن جواز وصف المنكر به ، تقول رأيت رجلا مثل عمرو ، لأنه لا يفيده تعريفا لأنه في غاية الإبهام وقرئ
مِثْلَ
بالنصب ، ويحتمل وجهين : أحدهما : أن يكون مفتوحا لإضافته إلى ما هو ضعيف وإلا جاز أن يقال زيد قاتل من يعرفه أو ضارب من يشتمه ثانيهما : أن يكون / منصوبا على البيان تقديره لحق حقا مثل ، ويحتمل أن يقال إنه منصوب على أنه صفة مصدر معلوم غير مذكور ، ووجهه أنا دللنا أن المراد من الضمير في قوله
إِنَّهُ
هو القرآن فكأنه قال إن القرآن لحق نطق به الملك نطقا
مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ
وما مجرور لا شك فيه . ثم قال تعالى :

[ سورة الذاريات ( 51 ) : آية 24 ]

هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ ( 24 ) إشارة إلى تسلية قلب النبي صلى اللّه عليه وسلم ببيان أن غيره من الأنبياء عليهم السلام كان مثله ، واختار إبراهيم لكونه شيخ المرسلين كون النبي عليه الصلاة والسلام على سنته في بعض الأشياء ، وإنذار لقومه بما جرى من الضيف ، ومن إنزال الحجارة على المذنبين المضلين ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : إذا كان المراد ما ذكرت من التسلية والإنذار فأي فائدة في حكاية الضيافة ؟ نقول ليكون