له الهجوع قلنا ذكر الأمر العام وإرادة التخصيص حسن فنقول : رأيت حيوانا ناطقا فصيحا ، وذكر الخاص وإرادة العام لا يحسن إلا في بعض المواضع فلا نقول رأيت فصيحا ناطقا حيوانا ، إذا عرفت هذا فنقول في قوله تعالى :
كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ
ذكر أمرا هو كالعام يحتمل أن يكون بعده : كانوا من الليل يسبحون ويستغفرون أو يسهرون أو غير ذلك ، فإذا قال يهجعون فكأنه خصص ذلك الأمر العام المحتمل له ولغيره فلا إشكال فيه . ثم قال تعالى :
[ سورة الذاريات ( 51 ) : آية 18 ]
وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ( 18 )
إشارة إلى أنهم كانوا يتهجدون ويجتهدون يريدون أن يكون عملهم أكثر من ذلك وأخلص منه ويستغفرون من التقصير وهذا سيرة الكريم يأتي بأبلغ وجوه الكرم ويستقله ويعتذر من التقصير ، واللئيم يأتي بالقليل ويستكثره ويمن به .
وفيه وجه آخر ألطف منه ، وهو أنه تعالى لما بيّن أنهم يهجعون قليلا ، والهجوع مقتضى الطبع ، قال :
يَسْتَغْفِرُونَ
أي من ذلك القدر من النوم القليل ، وفيه لطيفة أخرى تنبيها في جواب سؤال ، وهو أنه تعالى مدحهم بقلة الهجوع ، ولم يمدحهم بكثرة السهر ، وما قال : كانوا كثيرا من الليل ما يسهرون ، فما الحكمة فيه ، مع أن السهر هو الكلفة والاجتهاد لا الهجوع ؟ نقول إشارة إلى أن نومهم عبادة ، حيث مدحهم اللّه تعالى بكونهم هاجعين قليلا ، وذلك الهجوع أورثهم لاشتغال بعبادة أخرى ، وهو الاستغفار في وجوه الأسحار ، ومنعهم من الإعجاب بأنفسهم والاستكبار . وفيه مباحث :
البحث الأول : في الباء فإنها استعملت للظرف هاهنا ، وهي ليست للظرف ، نقول قال بعض النحاة : إن حروف الجر ينوب بعضها مناب بعض ، يقال في الظرف خرجت لعشر بقين وبالليل وفي شهر رمضان ، فيستعمل اللام والباء وفي ، وكذلك في المكان ، نقول : أقمت بالمدينة كذا وفيها ، ورأيته ببلدة كذا وفيها ، فإن قيل ما التحقيق فيه ؟ نقول الحروف لها معاني مختلفة ، كما أن الأسماء والأفعال كذلك ، غير أن الحروف غير مستقلة بإفادة المعنى ، والاسم والفعل / مستقلان ، لكن بين بعض الحروف وبعضها تناف وتباعد ، كما في الأسماء والأفعال ، فإن البيت والمسكن مختلفان متفاوتان ، وكذلك سكن ومكث ، ولا كذلك كل اسمين يفرض أو كل فعلين يوجد ، إذا عرفت هذا فنقول : بين الباء واللام وفي مشاركة ، أما الباء فإنها للإلصاق ، والمتمكن في مكان ملتصق به متصل ، وكذلك الفعل بالنسبة إلى الزمان ، فإذا قال : سار بالنهار معناه ذهب ذهابا متصلا بالنهار ، وكذا قوله تعالى :
وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ
أي استغفارا متصلا بالأسحار مقترنا بها ، لأن الكائن فيها مقترنا بها ، فإن قيل : فهل يكون بينهما في المعنى تفاوت ؟ نقول نعم ، وذلك لأن من قال : قمت بالليل واستغفرت بالأسحار أخبر عن الأمرين ، وذلك أدل على وجود الفعل مع أول جزء من أجزاء الوقت من قوله قمت في الليل ، لأنه يستدعي احتواش الزمان بالفعل وكذلك قول القائل : أقمت ببلد كذا ، لا يفيد أنه كان محاطا بالبلد ، وقوله أقمت فيها يدل على إحاطتها به ، فإذن قول القائل : أقمت بالبلدة ودعوت بالأسحار ، أعم من قوله : قمت فيه ، لأن القائم فيه قائم به ، والقائم به ليس قائما فيه من كل بد ، إذا علمت هذا فقوله تعالى :
وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ
إشارة إلى أنهم لا يخلون وقتا عن العبادة ، فإنهم بالليل لا يهجعون ، ومع أول جزء من السحر يستغفرون ، فيكون فيه بيان كونهم مستغفرين من غير أن يسبق منهم ذنب ، لأنهم وقت الانتباه في الأسحار لم يخلو الوقت للذنب ، فإن قيل : زدنا بيانا فإن من الأزمان أزمانا لا تجعل ظروفا بالباء ، فلا يقال خرجت بيوم