فِتْنَتَكُمْ
والفتنة الامتحان ، فإن قيل فإذا جعلت
يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ
مقولا لهم
ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ
فما قوله
هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ
؟ قلنا يحتمل أن يكون المراد كنتم تستعجلون بصريح القول كما في قوله تعالى حكاية عنهم
رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا
[ ص : 16 ] وقوله
فَأْتِنا بِما تَعِدُنا *
[ الأعراف : 70 ] إلى غير ذلك يدله عليه هاهنا قوله تعالى :
يَسْئَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ
[ الذاريات : 12 ] فإنه نوع استعجال ، ويحتمل أن يكون المراد الاستعجال بالفعل وهو الإصرار على العناد وإظهار الفساد فإنه يعجل العقوبة . / ثم قال تعالى :
[ سورة الذاريات ( 51 ) : آية 15 ]
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ( 15 )
بعد بيان حال المغترين المجرمين بين حال المحق المتقي ، وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قد ذكرنا أن المتقي له مقامات أدناها أن يتقي الشرك ، وأعلاها أن يتقي ما سوى اللّه ، وأدنى درجات المتقي الجنة ، فما من مكلف اجتنب الكفر إلا ويدخل الجنة فيرزق نعيمها .
المسألة الثانية : الجنة تارة وحدها كما قال تعالى :
مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ *
[ الرعد : 35 ] وأخرى جمعها كما في هذا المقام قال :
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ
وتارة ثناها فقال تعالى :
وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ
[ الرحمن : 46 ] فما الحكمة فيه ؟ نقول أما الجنة عند التوحيد فلأنها لاتصال المنازل والأشجار والأنهار كجنة واحدة ، وأما حكمة الجمع فلأنها بالنسبة إلى الدنيا وبالإضافة إلى جنانها جنات لا يحصرها عدد ، وأما التثنية فسنذكرها في سورة الرحمن غير أنا نقول هاهنا اللّه تعالى عند الوعد وحّد الجنة ، وكذلك عند الشراء حيث قال :
إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ
[ التوبة : 111 ] وعند الإعطاء جمعها إشارة إلى أن الزيادة في الوعد موجودة والخلاف ما لو وعد بجنات ، ثم كان يقول إنه في جنة لأنه دون الموعود الثالثة : قوله تعالى :
وَعُيُونٍ
يقتضي أن يكون المتقي فيها ولا لذة في كون الإنسان في ماء أو غير ذلك من المائعات ، نقول معناه في خلال العيون ، وذلك بين الأنهار بدليل أن قوله تعالى :
فِي جَنَّاتٍ
ليس معناه إلا بين جنات وفي خلالها لأن الجنة هي الأشجار ، وإنما يكون بينها كذلك القول في العيون والتنكير ، مع أنها معرفة للتعظيم يقال فلان رجل أي عظيم في الرجولية .
[ سورة الذاريات ( 51 ) : آية 16 ]
آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ ( 16 )
وقوله تعالى :
آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ
فيه مسائل ولطائف ، أما المسائل :
فالأولى منها : ما معنى آخذين ؟ نقول فيه وجهان أحدهما : قابضين ما آتاهم شيئا فشيئا ولا يستوفونه بكماله لامتناع استيفاء ما لا نهاية له ثانيها : آخذين قابلين قبول راض كما قال تعالى :
وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ
[ التوبة : 104 ] أي يقبلها ، وهذا ذكره الزمخشري وفيه وجه ثالث : وهو أن قوله
فِي جَنَّاتٍ
يدل على السكنى فحسب وقوله
آخِذِينَ
يدل على التملك ولذا يقال أخذ بلاد كذا وقلعة كذا إذا دخلها متملكا لها ، وكذلك يقال لمن اشترى دارا أو بستانا أخذه بثمن قليل أي تملكه ، وإن لم يكن هناك قبض حسا ولا قبول برضا ، وحينئذ فائدته بيان أن دخولهم فيها ليس دخول مستعير أو ضعف يسترد منه ذلك ، بل هو ملكه الذي اشتراه بماله ونفسه من اللّه تعالى