تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 169

مساهمون:

ص١٦٩
الجمعة ويقال بفي ، نقول : إن كل فعل جار في زمان فهو متصل به ، فالخروج يوم الجمعة متصل مقترن بذلك الزمان ، ولم يستعمل خرجت بيوم الجمعة ، نقول الفارق بينهما الإطلاق والتقييد ، بدليل أنك إن قلت : خرجت بنهارنا وبليلة الجمعة لم يحسن ، ولو قلت : خرجت بيوم سعد ، وخرج هو بيوم نحس حسن ، فالنهار والليل لما لم يكن فيهما خصوص وتقييد جاز استعمال الباء فيهما ، فإذا قيدتهما وخصصتهما زال ذلك الجواز ، ويوم الجمعة لما كان فيه خصوص لم يجز استعمال الباء ، وحيث زال الخصوص بالتنكير ، وقلت خرت بيوم كذا عاد الجواز ، والسر فيه أن مثل يوم الجمعة ، وهذه الساعة ، وتلك الليلة وجد فيها أمر غير الزمان وهو خصوصيات ، وخصوصية الشيء في الحقيقة أمور كثيرة غير محصورة عند العاقل على وجه التفصيل لكنها محصورة على الإجمال ، مثاله إذا قلت هذا الرجل فالعام فيه هو الرجل ، ثم إنك لو قلت الرجل الطويل ، ما كان يصير مخصصا ، لكنه يقرب من الخصوص ، ويخرج من القصار ، فإن قلت العالم لم يصر مخصصا لكنه يخرج عن الجهال ، فإذا قلت الزاهد فكذلك ، فإذا قلت ابن عمرو خرج عن أبناء زيد وبكر وخالد وغيرهم ، فإذا قلت هذا يتناول تلك المخصصات التي بأجمعها لا تجتمع إلا في ذلك ، فإذن الزمان المتعين فيه أمور غير الزمان ، والفعل حدث مقترن بزمان لا ناشئ عن الزمان ، وأما في فصحيح ، لأن ما حصل في العام فهو في الخاص ، لأن العام أمر داخل في الخاص ، وأما في فيدخل في الذي فيه الشيء ، فصح أن يقال : في يوم الجمعة ، وفي / هذه الساعة ، وأما بحث اللام فنؤخره إلى موضعه ، وقد تقدم بعضه في تفسير قوله تعالى :
وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها
[ يس : 38 ] وقوله
هُمْ
غير خال عن فائدة ، قال الزمخشري : فائدته انحصار المستغفرين ، أي لكمالهم في الاستغفار ، كأن غيرهم ليس بمستغفر ، فهم المستغفرون لا غير ، يقال فلان هو العالم لكماله في العلم كأنه تفرد به وهو جيد ، ولكن فيه فائدة أخرى ، وهي أن اللّه تعالى لما عطف
وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ
على قوله
كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ
[ الذاريات : 17 ] فلو لم يؤكد معنى الإثبات بكلمة
هُمْ
لصلح أن يكون معناه : وبالأسحار قليلا ما يستغفرون ، تقول فلان قليلا ما يؤذي وإلى الناس يحسن قد يفهم أنه قليل الإيذاء قليل الإحسان ، فإذا قلت قليلا ما يؤذي وهو يحسن زال ذلك الفهم وظهر فيه معنى قوله : قليل الإيذاء كثير الإحسان ، والاستغفار يحتمل وجوها أحدها : طلب المغفرة بالذكر بقولهم ربنا اغفر لنا الثاني : طلب المغفرة بالفعل ، أي بالأسحار يأتون بفعل آخر طلبا للغفران ، وهو الصلاة أو غيرها من العبادات الثالث : وهو أغربها الاستغفار من باب استحصد الزرع إذا جاء أوان حصاده ، فكأنهم بالأسحار يستحقون المغفرة ويأتيهم أوان المغفرة ، فإن قيل : فاللّه لم يؤخر مغفرتهم إلى السحر ؟ نقول وقت السحر تجتمع ملائكة الليل والنهار ، وهو الوقت المشهود ، فيقول اللّه على ملأ منهم : إني غفرت لعبدي ، والأول أظهر ، والثاني عند المفسرين أشهر . ثم قال تعالى :

[ سورة الذاريات ( 51 ) : آية 19 ]

وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ( 19 ) وقد ذكرنا مرارا أن اللّه تعالى بعد ذكر تعظيم نفسه يذكر الشفقة على خلقه ، ولا شك أن قليل الهجوع المستغفر في وجوه الأسحار وجد منه التعظيم العظيم ، فأشار إلى الشفقة بقوله
وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ
وفيه مسائل : المسألة الأولى : أضاف المال إليهم ، وقال في مواضع
أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ
[ يس : 47 ] وقال :