تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 148

مساهمون:

ص١٤٨

[ سورة ق ( 50 ) : آية 34 ]

ادْخُلُوها بِسَلامٍ ذلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ ( 34 ) ثم قال تعالى :
ادْخُلُوها بِسَلامٍ
. فالضمير عائد إلى الجنة التي في
وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ
[ ق : 31 ] أي لما تكامل حسنها وقربها وقيل لهم إنها منزلكم بقوله
هذا ما تُوعَدُونَ
[ ق : 32 ] أذن لهم في دخولها وفيه مسائل : المسألة الأولى : الخطاب مع من ؟ نقول إن قرئ
ما تُوعَدُونَ
بالتاء فهو ظاهر إذ لا يخفى أن الخطاب مع الموعودين ، وإن قرئ بالياء فالخطاب مع المتقين أي يقال للمتقين أدخلوها . المسألة الثانية : هذا يدل على أن ذلك يتوقف على الإذن ، وفيه من الانتظار ما لا يليق بالإكرام ، نقول ليس كذلك ، فإن من دعا مكرما إلى بستانه يفتح له الباب ويجلس في موضعه ، ولا يقف على الباب من يرحبه ، ويقول إذا بلغت بستاني فأدخله ، وإن لم يكن هناك أحد يكون قد أخل بإكرامه بخلاف من يقف على بابه قوم يقولون : أدخل باسم اللَّه ، يدل على الإكرام قوله تعالى :
بِسَلامٍ
كما يقول المضيف : أدخل مصاحبا بالسلامة والسعادة والكرامة ، والباء للمصاحبة في معنى الحال ، أي سالمين مقرونين بالسلامة ، أو معناه أدخلوها مسلما عليكم ، ويسلم اللَّه وملائكته عليكم ، ويحتمل عندي وجها آخر ، وهو أن يكون ذلك إرشادا للمؤمنين إلى مكارم الأخلاق في ذلك اليوم كما أرشدوا إليها في الدنيا ، حيث قال تعالى :
لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها
[ النور : 27 ] فكأنه تعالى قال : هذه داركم ومنزلكم ، ولكن لا تتركوا حسن / عادتكم ، ولا تخلوا بمكارم أخلاقكم ، فادخلوها بسلام ، ويصيحون سلاما على من فيها ، ويسلم من فيها عليهم ، ويقولون السلام عليكم ، ويدل عليه قوله تعالى :
إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً
[ الواقعة : 26 ] أي يسلمون على من فيها ، ويسلم من فيها عليهم ، وهذا الوجه إن كان منقولا فنعم ، وإن لم يكن منقولا فهو مناسب معقول أيده دليل منقول . قوله تعالى :
ذلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ
. حتى لا يدخل في قلبهم أن ذلك ربما ينقطع عنهم فتبقى في قلبهم حسرته ، فإن قيل المؤمن قد علم أنه إذا دخل الجنة خلد فيها ، فما الفائدة في التذكير ؟ والجواب : عنه من وجهين أحدهما : أن قوله
ذلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ
قول قاله اللَّه في الدنيا إعلاما وإخبارا ، وليس ذلك قولا يقوله عند قوله
ادْخُلُوها
فكأنه تعالى أخبرنا في يومنا أن ذلك اليوم يوم الخلود . ثانيهما : اطمئنان القلب بالقول أكثر ، قال الزمخشري في قوله
يَوْمُ الْخُلُودِ
إضمار تقديره : ذلك يوم تقدير الخلود ، ويحتمل أن يقال اليوم يذكر ، ويراد الزمان المطلق سواء كان يوما أو ليلا ، نقول : يوم يولد لفلان ابن يكون السرور العظيم ، ولو ولد له بالليل لكان السرور حاصلا ، فتريد به الزمان ، فكأنه تعالى قال : ذلك زمان الإقامة الدائمة . ثم قال تعالى :

[ سورة ق ( 50 ) : آية 35 ]

لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها وَلَدَيْنا مَزِيدٌ ( 35 ) وفي الآية ترتيب في غاية الحسن ، وذلك لأنه تعالى بدأ ببيان إكرامهم حيث قال :
وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ
[ الشعراء : 90 ] ولم يقل : قرب المتقون من الجنة بيانا للإكرام حيث جعلهم ممن تنقل إليهم الجنان
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 148 | فخر الدين الرازي