تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 147

مساهمون:

ص١٤٧
هارون لا لضعف فيه وقال :
فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً
[ الكهف : 80 ] حيث لم يكن لضعف فيه ، وحاصل الكلام أنك إذا تأملت استعمال الخشية وجدتها مستعملة لخوف بسبب عظمة المخشي ، وإذا نظرت إلى استعمال الخوف وجدته مستعملا لخشية من ضعف الخائف ، وهذا في الأكثر وربما يتخلف المدعى عنه لكن الكثرة كافية الثانية : قال اللّه تعالى هاهنا
خَشِيَ الرَّحْمنَ
مع أن وصف الرحمة غالبا يقابل الخشية إشارة إلى مدح المتقي حيث لم تمنعه الرحمة من الخوف بسبب العظمة ، وقال تعالى :
لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ
[ الحشر : 21 ] إشارة إلى ذم الكافر حيث لم تحمله الألوهية التي تنبئ عنها لفظة اللَّه وفيها العظمة على خوفه وقال :
إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ
[ فاطر : 28 ] لأن ( إنما ) للحصر فكان فيه إشارة إلى أن الجاهل لا يخشاه فذكر اللَّه ليبين أن عدم خشيته مع قيام المقتضى وعدم المانع وهو الرحمة ، وقد ذكرنا ذلك في سورة يس ونزيد هاهنا شيئا آخر ، وهو أن نقول لفظة
الرَّحْمنَ
إشارة إلى مقتضي لا إلى المانع ، وذلك لأن الرحمن معناه واهب الوجود بالخلق ، والرحيم واهب البقاء بالرزق وهو في الدنيا رحمان حيث أوجدنا بالرحمة ، ورحيم حيث أبقى بالرزق ، ولا يقال لغيره رحيم لأن البقاء بالرزق قد يظن أن مثل ذلك يأتي ممن يطعم المضطر ، فيقال فلان هو الذي أبقى فلانا ، وهو في الآخرة أيضا رحمان حيث يوجدنا ، ورحيم حيث يرزقنا ، وذكرنا ذلك في تفسير الفاتحة حيث قلنا قال :
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
إشارة إلى كونه رحمانا في الدنيا حيث خلقنا ، رحيما في الدنيا حيث رزقنا رحمة ثم قال مرة أخرى بعد قوله
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ * الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
أي هو رحمن مرة أخرى في الآخرة بخلقنا ثانيا ، واستدللنا عليه بقوله بعد ذلك
مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ
[ الفاتحة : 4 ] أي يخلقنا ثانيا ، ورحيم يرزقنا ويكون هو المالك في ذلك اليوم ، إذا علمت هذا فمن يكون منه وجود الإنسان لا يكون خوفه خشية من غيره ، فإن القائل يقول لغيره أخاف منك أن تقطع رزقي أو تبدل حياتي ، فإذا كان اللَّه تعالى رحمانا منه الوجود ينبغي أن يخشى ، فإن من بيده الوجود بيده العدم ، وقال صلى اللَّه عليه وسلم : « خشية اللَّه رأس كل حكمة » وذلك لأن الحكيم إذا تفكر في غير اللَّه وجده محل التغير يجوز عليه العدم في كل طرفة عين ، وربما يقدر اللَّه عدمه قبل أن يتمكن من الإضرار ، لأن غير اللَّه إن / لم يقدر اللَّه أن يضر لا يقدر على الضرر وإن قدر عليه بتقدير اللَّه فسيزول الضرر بموت المعذب أو المعذب ، وأما اللَّه تعالى فلا راد لما أراد ولا آخر لعذابه ، وقال تعالى :
بِالْغَيْبِ
أي كانت خشيتهم قبل ظهور الأمور حيث ترى رأي العين ، وقوله تعالى :
وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ
إشارة إلى صفة مدح أخرى ، وذلك لأن الخاشي قد يهرب ويترك القرب من المخشي ولا ينتفع ، وإذا علم المخشي أنه تحت حكمه تعالى علم أنه لا ينفعه الهرب ، فيأتي المخشي وهو [ غير ] خاش فقال :
وَجاءَ
ولم يذهب كما يذهب الآبق ، وقوله تعالى :
بِقَلْبٍ مُنِيبٍ
الباء فيه يحتمل وجوها ذكرناها في قوله تعالى :
وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ
[ ق : 19 ] أحدها : التعدية أي أحضر قلبا سليما ، كما يقال ذهب به إذا أذهبه ثانيها : المصاحبة يقال اشترى فلان الفرس بسرجه ، أي مع سرجه وجاء فلان بأهله أي مع أهله ثالثها : وهو أعرفها الباء للسبب يقال ما أخذ فلان إلا بقول فلان وجاء بالرجاء له فكأنه تعالى قال : جاء وما جاء إلا بسبب إنابة في قلبه علم أنه لا مرجع إلا إلى اللَّه فجاء بسبب قلبه المنيب ، والقلب المنيب كالقلب السليم في قوله تعالى :
إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ
[ الصافات : 84 ] أي سليم من الشرك ، ومن سلم من الشرك يترك غير اللَّه ويرجع إلى اللَّه فكان منيبا ، ومن أناب إلى اللَّه برئ من الشرك فكان سليما .