تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 139

مساهمون:

ص١٣٩
الطريق وأبعد عنه تتغير عليه السمات والجهات ولا يرى عين المقصد ويتبين له أنه ضل عن الطريق ، وربما يقع في أودية ومفاوز ويظهر له أمارات الضلال بخلاف من حاد قليلا ، فالضلال وصفه اللّه تعالى بالوصفين في كثير من المواضع فقال تارة
فِي ضَلالٍ مُبِينٍ *
وأخرى قال :
فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ
. المسألة الثانية : قوله تعالى :
وَلكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ
إشارة إلى قوله
إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ / الْمُخْلَصِينَ *
[ الحجر : 40 ] وقوله تعالى :
إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ *
[ الحجر : 42 ] أي لم يكونوا من العباد ، فجعلهم أهل العناد ، ولو كان لهم في سبيلك قدم صدق لما كان لي عليهم من يد ، واللّه أعلم . المسألة الثالثة : كيف قال ما أطغيته مع أنه قال :
لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ *
؟ [ الحجر : 39 ] قلنا الجواب عنه من ثلاثة أوجه وجهان : قد تقدما في الاعتذار عما قاله الزمخشري والثالث : هو أن يكون المراد من قوله
لَأُغْوِيَنَّهُمْ *
أي لأديمنهم على الغواية كما أن الضال إذا قال له شخص أنت على الجادة ، فلا تتركها ، يقال أنه يضله كذلك هاهنا ، وقوله
ما أَطْغَيْتُهُ
أي ما كان ابتداء الإطغاء مني .

[ سورة ق ( 50 ) : آية 28 ]

قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ ( 28 ) ثم قال تعالى :
قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ
. قد ذكرنا أن هذا دليل على أن هناك كلاما قبل قوله
قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ
[ ق : 27 ] وهو قول الملقى في النار ربنا أطغاني وقوله
لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ
يفيد مفهومه أن الاختصام كان ينبغي أن يكون قبل الحضور والوقوف بين يدي . وقوله تعالى :
وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ
. تقرير للمنع من الاختصام وبيان لعدم فائدته ، كأنه يقول قد قلت إنكم إذا اتبعتم الشيطان تدخلون النار وقد اتبعتموه ، فإن قيل ما حكم الباء في قوله تعالى :
بِالْوَعِيدِ
؟ قلنا فيها وجوه أحدها : أنها مزيدة كما في قوله تعالى
تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ
[ المؤمنون : 20 ] ، على قول من قال إنها هناك زائدة ، وقوله
وَكَفى بِاللَّهِ *
[ النساء : 6 ] وثانيها : معدية فقدمت بمعنى تقدمت كما في قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ
[ الحجرات : 1 ] ثالثها : في الكلام إضمار تقديره ، وقد قدمت إليكم مقترنا بالوعيد
ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ
[ ق : 29 ] فيكون المقدم هو قوله ، ما يبدل القول لدي ، رابعها : هي المصاحبة يقول القائل : اشتريت الفرس بلجامه وسرجه أي معه فيكون كأنه تعالى قال : قدمت إليكم ما يجب مع الوعيد على تركه بالإنذار .

[ سورة ق ( 50 ) : آية 29 ]

ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَما أَنَا بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ ( 29 ) وقوله تعالى :
ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ
يحتمل وجهين : أحدهما : أن يكون قوله
لَدَيَّ
متعلقا بالقول أي
ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ
وثانيهما : أن يكون ذلك متعلقا بقوله
ما يُبَدَّلُ
أي لا يقع التبديل عندي ، وعلى الوجه الأول في القول الذي لديه وجوه أحدها : هو أنهم لما قالوا حتى يبدل ما قيل في حقهم
أَلْقِيا
[ ق : 24 ] بقول اللّه بعد اعتذارهم لا تلقياه فقال تعالى : ما يبدل هذا القول لدي ، وكذلك قوله
قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوابَ / جَهَنَّمَ
[ الزمر : 72 ] لا تبديل له ثانيها : هو قوله
وَلكِنْ حَقَّ
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 139 | فخر الدين الرازي