يدخل في قلوب العباد ، وعلى هذا ففيه مناسبة شديدة إذا جعلنا الكفار من الكفر ، كأنه يقول : كفر باللّه ، ولم يقتنع بكفره حتى منع الخير من الغير .
وقوله تعالى :
مُعْتَدٍ
.
فيه وجهان أحدهما : أن يكون قوله
مُعْتَدٍ
مرتبا على
مَنَّاعٍ
بمعنى مناع الزكاة ، فيكون معناه لم يؤد الواجب ، وتعدى ذلك حتى أخذ الحرام أيضا بالربا والسرقة ، كما كان عادة المشركين وثانيهما : أن يكون قوله
مُعْتَدٍ
مرتبا على
مَنَّاعٍ
بمعنى منع الإيمان ، كأنه يقول : منع الإيمان ولم يقنع به حتى تعداه ، وأهان من آمن وآذاه ، وأعان من كفر وآواه .
وقوله تعالى :
مُرِيبٍ
.
فيه وجهان أحدهما : ذو ريب ، وهذا على قولنا : الكفار كثير الكفران ، والمناع مانع الزكاة ، كأنه يقول :
لا يعطي الزكاة لأنه في ريب من الآخرة ، والثواب فيقول : لا أقرب مالا من غير عوض وثانيهما :
مُرِيبٍ
يوقع الغير في الريب بإلقاء الشبهة ، والإرابة جاءت بالمعنيين جميعا ، وفي الآية ترتيب آخر غير ما ذكرناه ، وهو أن يقال : هذا بيان أحوال الكفر بالنسبة إلى اللّه ، وإلى رسول اللّه ، وإلى اليوم الآخر ، فقوله
كَفَّارٍ عَنِيدٍ
إشارة إلى حاله مع اللّه يكفر به ويعاند آياته ، وقوله
مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ
إشارة إلى حاله مع رسول اللّه ، فيمنع الناس من اتباعه ، ومن الإنفاق على من عنده ، ويتعدى بالإيذاء وكثرة الهذاء ، وقوله
مُرِيبٍ
إشارة إلى حاله بالنسبة إلى اليوم الآخر يريب فيه ويرتاب ، ولا يظن أن الساعة قائمة ، فإن قيل قوله تعالى :
أَلْقِيا / فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ
إلى غير ذلك يوجب أن يكون الإلقاء خاص بمن اجتمع فيه هذه الصفات بأسرها ، والكفر كاف في إيراث الإلقاء في جهنم والأمر به ، فنقول قوله تعالى :
كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ
ليس المراد منه الوصف المميز ، كما يقال : أعط العالم الزاهد ، بل المراد الوصف المبين بكون الموصوف موصوفا به إما على سبيل المدح ، أو على سبيل الذم ، كما يقال : هذا حاتم السخي ، فقوله
كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ
يفيد أن الكفار عنيد ومناع ، فالكفار كافر ، لأن آيات الوحدانية ظاهرة ، ونعم اللّه تعالى على عبده وافرة ، وعنيد ومناع للخير ، لأنه يمدح دينه ويذم دين الحق فهو يمنع ، ومريب لأنه شاك في الحشر ، فكل كافر فهو موصوف بهذه الصفات . وقوله تعالى :
[ سورة ق ( 50 ) : آية 26 ]
الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَأَلْقِياهُ فِي الْعَذابِ الشَّدِيدِ ( 26 )
فيه ثلاثة أوجه أحدها : أنه بدل من قوله
كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ
[ ق : 24 ] ثانيها : أنه عطف على
كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ
ثالثها : أن يكون عطفا على قوله
أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ
كأنه قال : ( ألقيا في جهنم كل كفار عنيد ) أي والذي جعل مع اللّه إلها آخر فألقياه بعد ما ألقيتموه في جهنم في عذاب شديد من عذاب جهنم . ثم قال تعالى :
[ سورة ق ( 50 ) : آية 27 ]
قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ وَلكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ ( 27 )
وهو جواب لكلام مقدر ، كأن الكافر حينما يلقى في النار يقول : ربنا أطغاني شيطاني ، فيقول الشيطان :
ربنا ما أطغيته ، يدل عليه قوله تعالى بعد هذا
قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ
[ ق : 28 ] لأن الاختصام يستدعي كلاما من الجانبين وحينئذ هذا ، كما قال اللّه تعالى في هذه السورة وفي ص
قالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ
[ ص : 60 ]