وقوله تعالى :
قالُوا رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا فَزِدْهُ
إلى أن قال :
إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ
[ ص : 61 ، 64 ] وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قال الزمخشري : المراد بالقرين في الآية المتقدمة هو الشيطان لا الملك الذي هو شهيد وقعيد ، واستدل عليه بهذا . وقال غيره ، المراد الملك لا الشيطان ، وهذا يصلح دليلا لمن قال ذلك ، وبيانه هو أنه في الأول لو كان المراد الشيطان ، فيكون قوله
هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ
[ ق : 23 ] معناه هذا الشخص عندي عتيد متعد للنار اعتدته بإغوائي ، فإن الزمخشري صرّح في تفسير تلك بهذه ، وعلى هذا فيكون قوله
رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ
مناقضا لقوله اعتدته وللزمخشري أن يقول الجواب : عنه من وجهين أحدهما : أن يقول إن الشيطان يقول اعتدته بمعنى زينت له الأمر وما ألجأته فيصح القولان من الشيطان وثانيهما : أن تكون الإشارة إلى حالين : ففي الحالة / الأولى إنما فعلت به ذلك إظهارا للانتقام من بني آدم ، وتصحيحا لما قال :
فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ
[ ص : 82 ] ثم إذا رأى العذاب وأنه معه مشترك وله على الإغواء عذاب ، كما قال تعالى :
فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ * لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ
[ ص : 84 ، 85 ] فيقول
رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ
فيرجع عن مقالته عند ظهور العذاب .
المسألة الثانية : قال هاهنا
قالَ قَرِينُهُ
من غير واو ، وقال في الآية الأولى
وَقالَ قَرِينُهُ
[ ق : 23 ] بالواو العاطفة ، وذلك لأن في الأول الإشارة وقعت إلى معنيين مجتمعين ، وأن كل نفس في ذلك الوقت تجيء ومعها سائق ، ويقول الشهيد ذلك القول ، وفي الثاني لم يوجد هناك معنيان مجتمعان حتى يذكر بالواو ، والفاء في قوله
فَأَلْقِياهُ فِي الْعَذابِ
[ ق : 26 ] لا يناسب قوله تعالى :
قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ
مناسبة مقتضية للعطف بالواو .
المسألة الثالثة : القائل هاهنا واحد ، وقال
رَبَّنا
ولم يقل رب ، وفي كثير من المواضع مع كون القائل واحدا ، قال رب ، كما في قوله
قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ
[ الأعراف : 143 ] وقول نوح
رَبِّ اغْفِرْ لِي
[ نوح : 28 ] وقوله تعالى :
قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ
[ يوسف : 33 ] وقوله
قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ
[ التحريم : 11 ] إلى غير ذلك ، وقوله تعالى :
قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ *
[ ص : 79 ] نقول في جميع تلك المواضع القائل طالب ، ولا يحسن أن يقول الطالب : يا رب عمرني واخصصني وأعطني كذا ، وإنما يقول : أعطنا لأن كونه ربا لا يناسب تخصيص الطالب ، وأما هذا الموضع فموضع الهيبة والعظمة وعرض الحال دون الطلب فقال :
رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ
.
وقوله تعالى :
وَلكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ
.
يعني أن ذلك لم يكن بإطغائه ، وإنما كان ضالا متغلغلا في الضلال فطغى ، وفيه مسائل :
المسألة الأولى : ما الوجه في اتصاف الضلال بالبعيد ؟ نقول الضال يكون أكثر ضلالا عن الطريق ، فإذا تمادى في الضلال وبقي فيه مدة يبعد عن المقصد كثيرا ، وإذا علم الضلال قصر في الطريق من قريب فلا يبعد عن المقصد كثيرا ، فقوله
ضَلالٍ بَعِيدٍ
وصف المصدر بما يوصف به الفاعل ، كما يقال كلام صادق وعيشة راضية أي ضلال ذو بعد ، والضلال إذا بعد مداه وامتد الضال فيه يصير بينا ويظهر الضلال ، لأن من حاد عن