فردا فزوجته بآخر كما يقال شفعته بآخر ، وأما الحور ، فقال الواحدي أصل الحور البياض والتحوير التبييض ، وقد ذكرنا ذلك في تفسير الحواريين ، وعين حوراء إذا اشتد بياض بياضها واشتد سواد سوادها ، ولا تسمى المرأة حوراء حتى يكون حور عينيها بياضا في لون الجسد ، والدليل على أن المراد بالحور في هذه الآية البيض قراءة ابن مسعود بعيس عين والعيس البيض ، وأما العين فجمع عيناء وهي التي تكون عظيمة العينين من النساء ، فقال الجبائي رجل أعين إذا كان ضخم العين واسعها والأنثى عيناء والجمع عين ، ثم اختلفوا في هؤلاء الحور العين ، فقال الحسن هن عجائزكم الدرد ينشئهن اللّه خلقا آخر ، وقال أبو هريرة إنهن ليسوا من نساء الدنيا .
والنوع الخامس : من تنعمات أهل الجنة المأكول فقال :
يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ
/ قالوا إنهم يأكلون جميع أنواع الفاكهة لأجل أنهم آمنون من التخم والأمراض .
ولما وصف اللّه تعالى أنواع ما هم فيه من الخيرات والراحات ، بين أن حياتهم دائمة ، فقال :
لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى
وفيه سؤالان :
السؤال الأول : أنهم ما ذاقوا الموتة الأولى في الجنة فكيف حسن هذا الاستثناء ؟ وأجيب عنه من وجوه الأول : قال صاحب « الكشاف » : أريد أن يقال : لا يذوقون فيها الموت البتة فوضع قوله
إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى
موضع ذلك لأن الموتة الماضية محال في المستقبل ، فهو من باب التعليق بالمحال ، كأنه قيل إن كانت الموتة الأولى يمكن ذوقها في المستقبل فإنهم يذوقونها الثاني : أن إلا بمعنى لكن والتقدير لا يذوقون فيها الموت لكن الموتة الأولى قد ذاقوها والثالث : أن الجنة حقيقتها ابتهاج النفس وفرحها بمعرفة اللّه تعالى وبطاعته ومحبته ، وإذا كان الأمر كذلك فإن الإنسان الذي فاز بهذه السعادة فهو في الدنيا في الجنة وفي الآخرة أيضا في الجنة ، وإذا كان الأمر كذلك فقد وقعت الموتة الأولى حين كان الإنسان في الجنة الحقيقية التي هي جنة المعرفة باللّه والمحبة ، فذكر هذا الاستثناء كالتنبيه على قولنا إن الجنة الحقيقية هي حصول هذه الحالة لا الدار التي هي دار الأكل والشرب ، ولهذا السبب
قال عليه السلام : « أنبياء اللّه لا يموتون ولكن ينقلون من دار إلى دار »
والرابع : أن من جرب شيئا ووقف عليه صح أن يقال إنه ذاقه ، وإذا صح أن يسمى العلم بالذوق صح أن يسمى تذكره أيضا بالذوق فقوله
لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى
يعني إلا الذوق الحاصل بسبب تذكر الموتة الأولى .
السؤال الثاني : أليس أن أهل النار أيضا لا يموتون فلم بشر أهل الجنة بهذا مع أن أهل النار يشاركونهم فيه ؟ والجواب : أن البشارة ما وقعت بدوام الحياة بل بدوام الحياة مع سابقة حصول تلك الخيرات والسعادات فظهر الفرق .
ثم قال تعالى :
وَوَقاهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ
قرئ ووقاهم بالتشديد ، فإن قالوا مقتضى الدليل أن يكون ذكر الوقاية عن عذاب الجحيم متقدما على ذكر الفوز بالجنة لأن الذي وقى عن عذاب الجحيم قد يفوز وقد لا يفوز ، فإذا ذكر بعده أنه فاز بالجنة حصلت الفائدة ، أما الذي فاز بخيرات الجنة فقد تخلص عن عقاب اللّه لا محالة فلم يكن ذكر الفوز عن عذاب جهنم بعد الفوز بثواب الجنة مفيدا ، قلنا التقدير كأنه تعالى قال : ووقاهم في أول الأمر عن عذاب الجحيم .
ثم قال :
فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ
يعني كل ما وصل إليه المتقون من الخلاص عن النار والفوز بالجنة فإنما