إنما وقع بقدرة اللّه مع قدرة العبد معا ، فلم يكن ذلك ظلما من اللّه . قلنا : عندكم أن القدرة على الظلم موجبة للظلم ، وخالق تلك القدرة هو اللّه تعالى ، فكأنه تعالى لما فعل مع خلق الكفر قدرة على الكفر خرج عن أن يكون ظالما لهم ، وذلك محال لأن من يكون ظالما في فعل ، فإذا فعل معه ما يوجب ذلك الفعل يكون بذلك أحق ، فيقال للقاضي قدرة العبد هل هي صالحة للطرفين أو هي متعينة لأحد الطرفين ؟ فإن كانت صالحة لكلا الطرفين فالترجيح إن وقع لا لمرجح لزم نفي الصانع ، وإن افتقر إلى مرجح عاد التقسيم الأول فيه ، ولا بد وأن ينتهي إلى داعية مرجحة يخلقها اللّه في العبد . وإن كانت متعينة لأحد الطرفين فحينئذ يلزمك ما أوردته علينا .
واعلم أنه ليس الرجل من يرى وجه الاستدلال فيذكره ، إنما الرجل الذي ينظر فيما قبل الكلام وفيما بعده ، فإن رآه واردا على مذهبه بعينه لم يذكره واللّه أعلم .
المسألة الرابعة : قرأ ابن مسعود يا مال بحذف الكاف للترخيم فقيل لابن عباس إن ابن مسعود قرأ ونادوا يا مال فقال : ما أشغل أهل النار عن هذا الترخيم ! وأجيب عنه بأنه إنما حسن هذا الترخيم لأنه يدل على أنهم بلغوا في الضعف والنحافة إلى حيث لا يمكنهم أن يذكروا من الكلمة إلا بعضها .
المسألة الخامسة : اختلفوا في أن قولهم
يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ
على أي وجه طلبوا فقال بعضهم على التمني ، وقال آخرون على وجه الاستغاثة ، وإلا فهم عالمون بأنه لا خلاص لهم عن ذلك العقاب ، وقيل لا يبعد أن يقال إنهم لشدة ما هم فيه من العذاب نسوا تلك المسألة فذكروه على وجه الطلب . ثم إنه تعالى بيّن أن مالكا يقول لهم
إِنَّكُمْ ماكِثُونَ
وليس في القرآن متى أجابهم ، هل أجابهم في الحال أو بمدة طويلة ، وإن كان بعد ذلك فهل حصل ذلك الجواب بعد ذلك السؤال بمدة قليلة أو بمدة طويلة ، فلا يمتنع أن تؤخر الإجابة استخفافا بهم وزيادة في غمهم ، فعن عبد اللّه بن عمر بعد أربعين سنة ، وعن غيره بعد مائة سنة ، وعن ابن عباس بعد ألف سنة واللّه أعلم بذلك المقدار .
ثم بيّن تعالى أن مالكا لما أجابهم بقوله
إِنَّكُمْ ماكِثُونَ
ذكر بعده ما هو كالعلة لذلك الجواب فقال :
لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ
والمراد نفرتهم عن محمد وعن القرآن وشدة بغضهم لقبول الدين الحق ، فإن قيل كيف قال :
وَنادَوْا يا مالِكُ
بعد ما وصفهم بالإبلاس ؟ قلنا تلك أزمنة متطاولة وأحقاب ممتدة ، فتختلف بهم الأحوال فيسكتون أوقاتا لغلبة اليأس عليهم ويستغيثون أوقاتا لشدة ما بهم ،
روي أنه يلقى على أهل النار الجوع حتى يعدل ما هم / فيه من العذاب ، فيقولون ادعوا مالكا فيدعون
يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ
ولما ذكر اللّه تعالى كيفية عذابهم في الآخرة ذكر بعده كيفية مكرهم وفساد باطنهم في الدنيا فقال :
أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ
والمعنى أم أبرموا أي مشركو مكة أمرا من كيدهم ومكرهم برسول اللّه ، فإنا مبرمون كيدنا كما أبرموا كيدهم كقوله تعالى :
أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ
[ الطور : 42 ] قال مقاتل :
نزلت في تدبيرهم في المكر به في دار الندوة ، وهو ما ذكره اللّه تعالى في قوله تعالى :
وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا
[ الأنفال : 30 ] وقد ذكرنا القصة .
ثم قال :
أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ
السر ما حدث به الرجل نفسه أو غيره في مكان خال ، والنجوى ما تكلموا به فيما بينهم
بَلى
نسمعها ونطلع عليها
وَرُسُلُنا
يريد الحفظة
يَكْتُبُونَ
عليهم تلك الأحوال ، وعن يحيى بن معاذ من ستر من الناس ذنوبه وأبداها للذي لا يخفى عليه شيء في السماوات فقد