تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 642

مساهمون:

ص٦٤٢
تلك المحبة بالنفرة ، لأن تلك المحبة إنما حصلت لاعتقاد حصول الخير والراحة ، فإذا زال ذلك الاعتقاد ، وحصل عقيبه اعتقاد أن الحاصل هو الضرر والألم ، وجب أن تتبدل تلك المحبة بالبغضة ، لأن تبدل العلة يوجب تبدل المعلول ، أما إذا كانت الخيرات الموجبة للمحبة ، خيرات باقية أبدية ، غير قابلة للتبدل والتغير ، كانت تلك المحبة أيضا محبة باقية آمنة من التغير ، إذا عرفت هذا الأصل فنقول الذين حصلت بينهم محبة ومودة في الدنيا ، إن كانت تلك المحبة لأجل طلب الدنيا وطيباتها ولذاتها ، فهذه المطالب لا تبقى في القيامة ، بل يصير طلب الدنيا سببا لحصول الآلام والآفات في يوم القيامة ، فلا جرم تنقلب هذه المحبة الدنيوية بغضة ونفرة في القيامة ، أما إن كان الموجب لحصول المحبة في الدنيا الاشتراك في محبة اللّه وفي خدمته وطاعته ، فهذا السبب غير قابل للنسخ والتغير ، فلا جرم كانت هذه المحبة باقية في القيامة ، بل كأنها تصير أقوى وأصفى وأكمل وأفضل مما كانت في الدنيا ، فهذا هو التفسير المطابق لقوله تعالى :
الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا / الْمُتَّقِينَ
، الحكم الثاني : من أحكم يوم القيامة ، وقوله تعالى :
يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ
وقد ذكرنا مرارا أن عادة القرآن جارية بتخصيص لفظ العباد ، بالمؤمنين المطيعين المتقين ، فقوله
يا عِبادِ
كلام اللّه تعالى ، فكأن الحق يخاطبهم بنفسه ويقول لهم
يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ
وفيه أنواع كثيرة مما يوجب الفرح أولها : أن الحق سبحانه وتعالى خاطبهم بنفسه من غير واسطة وثانيها : أنه تعالى وصفهم بالعبودية ، وهذا تشريف عظيم ، بدليل أنه لما أراد أن يشرف محمدا صلى اللّه عليه وسلّم ليلة المعراج ، قال :
سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ
[ الإسراء : 1 ] وثالثها : قوله
لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ
فأزال عنهم الخوف في يوم القيامة بالكلية ، وهذا من أعظم النعم ورابعها : قوله
وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ
فنفى عنهم الحزن بسبب فوت الدنيا الماضية . ثم قال تعالى :
الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَكانُوا مُسْلِمِينَ
قيل
الَّذِينَ آمَنُوا
مبتدأ ، وخبره مضمر ، والتقدير يقال لهم : أدخلوا الجنة ، ويحتمل أن يكون المعنى أعني الذين آمنوا ، قال مقاتل : إذا وقع الخوف يوم القيامة ، نادى مناد
يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ
فإذا سمعوا النداء رفع الخلائق رؤوسهم ، فيقال
الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَكانُوا مُسْلِمِينَ
فتنكس أهل الأديان الباطلة رؤوسهم الحكم الثالث : من وقائع القيامة ، أنه تعالى إذا أمن المؤمنين من الخوف والحزن ، وجب أن يمر حسابهم على أسهل الوجوه وعلى أحسنها ، ثم يقال لهم
ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْواجُكُمْ تُحْبَرُونَ
والحبرة المبالغة في الإكرام فيما وصف بالجميل ، يعني يكرمون إكراما على سبيل المبالغة ، وهذا مما سبق تفسيره في سورة الروم . ثم قال :
يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوابٍ
قال الفراء : الكوب المستدير الرأس الذي لا أذن له ، فقوله
يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ
إشارة إلى المطعوم ، وقوله
وَأَكْوابٍ
إشارة إلى المشروب ، ثم إنه تعالى ترك التفصيل وذكر بيانا كليا ، فقال :
وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ
. ثم قال :
وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
وقد ذكرنا في وراثة الجنة وجهين في قوله
أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ
[ المؤمنون : 10 ، 11 ] ولما ذكر الطعام والشراب فيما تقدم ، ذكر هاهنا حال الفاكهة ، فقال :
لَكُمْ فِيها فاكِهَةٌ ( كَثِيرَةٌ ) مِنْها تَأْكُلُونَ
. واعلم أنه تعالى بعث محمدا صلى اللّه عليه وسلّم إلى العرب أولا ، ثم إلى العالمين ثانيا ، والعرب كانوا في ضيق شديد