طريق العفو عنهم ، وأما من قرأ ويعفوا فقد استأنف الكلام .
ثم قال :
وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِنا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ
قرأ نافع وابن عامر : يعلم بالرفع على الاستئناف ، وقرأ الباقون بالنصب ، فالقراءة بالرفع على الاستئناف ، وأما بالنصب فللعطف على / تعليل محذوف تقديره لينتقم منهم ويعلم الذين يجادلون في آياتنا والعطف على التعليل المحذوف غير عزيز في القرآن ومنه قوله تعالى :
وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ
[ مريم : 21 ] وقوله تعالى :
وَخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ
[ الجاثية : 22 ] قال صاحب « الكشاف » : ومن قرأ على جزم ويعلم فكأنه قال أو إن يشأ ، يجمع بين ثلاثة أمور : هلاك قوم ، ونجاة قوم ، وتحذير آخرين . إذا عرفت هذا فنقول معنى الآية وليعلم الذين يجادلون أي ينازعون على وجه التكذيب ، أن لا مخلص لهم إذا وقفت السفن ، وإذا عصفت الرياح فيصير ذلك سببا لاعترافهم بأن الإله النافع الضار ليس إلا اللّه .
واعلم أنه تعالى لما ذكر دلائل التوحيد أردفها بالتفسير عن الدنيا وتحقير شأنها ، لأن الذي يمنع من قبول الدليل إنما هو الرغبة في الدنيا بسبب الرياسة وطلب الجاه ، فإذا صغرت الدنيا في عين الرجل لم يلتفت إليها ، فحينئذ ينتفع بذكر الدلائل ، فقال :
فَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا
وسماه متاعا تنبيها على قلته وحقارته ، ولأن الحس شاهد بأن كل ما يتعلق بالدنيا فإنه يكون سريع الانقراض والانقضاء .
ثم قال تعالى :
وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى
والمعنى أن مطالب الدنيا خسيسة منقرضة ، ونبه على خساستها بتسميتها بالمتاع ، ونبّه على انقراضها بأن جعلها من الدنيا ، وأما الآخرة فإنها خير وأبقى ، وصريح العقل يقتضي ترجيح الخير الباقي على الخسيس الفاني ، ثم بين أن هذه الخيرية إنما تحصل لمن كان موصوفا بصفات :
الصفة الأولى : أن يكون من المؤمنين بدليل قوله تعالى :
لِلَّذِينَ آمَنُوا
.
الصفة الثانية : أن يكون من المتوكلين على فضل اللّه ، بدليل قوله تعالى :
وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ
فأما من زعم أن الطاعة توجب الثواب ، فهو متكل على عمل نفسه لا على اللّه ، فلا يدخل تحت الآية .
الصفة الثالثة : أن يكونوا مجتنبين لكبائر الإثم والفواحش ، عن ابن عباس : كبير الإثم ، هو الشرك ، نقله صاحب « الكشاف » : وهو عندي بعيد ، لأن شرط الإيمان مذكور أولا وهو يغني عن عدم الشرك ، وقيل المراد بكبائر الإثم ما يتعلق بالبدع واستخراج الشبهات ، وبالفواحش ما يتعلق بالقوة الشهوانية ، وبقوله
وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ
ما يتعلق بالقوة الغضبية ، وإنما خص الغضب بلفظ الغفران ، لأن الغضب على طبع النار ، واستيلاؤه شديد ومقاومته صعبة ، فلهذا السبب خصّه بهذا اللفظ ، واللّه أعلم .
الصفة الرابعة : قوله تعالى :
وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ
والمراد منه تمام الانقياد ، فإن قالوا أليس أنه لما جعل الإيمان شرطا فيه فقد دخل في الإيمان إجابة اللّه ؟ قلنا الأقرب عندي أن يحمل هذا على الرضاء بقضاء اللّه من صميم القلب ، وأن لا يكون في قلبه منازعة في أمر من الأمور . ولما ذكر هذا الشرط قال :
وَأَقامُوا الصَّلاةَ
والمراد منه إقامة الصلوات الواجبة ، لأن هذا هو / الشرط في حصول الثواب .
وأما قوله تعالى :
وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ
فقيل كان إذا وقعت بينهم واقعة اجتمعوا وتشاوروا فأثنى اللّه عليهم ، أي لا ينفردون برأي بل ما لم يجتمعوا عليه لا يقدمون عليه ، وعن الحسن : ما تشاور قوم إلا هدوا