تدخل على الماضي ، قال تعالى :
وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى
[ الليل : 1 ] ومنه
إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ
والمقصود أنه تعالى خلقها متفرقة ، لا لعجز ولكن لمصلحة ، فلهذا قال :
وَهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ
يعني الجمع / للحشر والمحاسبة ، وإنما قال :
عَلى جَمْعِهِمْ
ولم يقل على جمعها ، لأجل أن المقصود من هذا الجمع المحاسبة ، فكأنه تعالى قال : وهو على جمع العقلاء إذا يشاء قدير ، واحتج الجبائي بقوله
إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ
على أن مشيئته تعالى محدثة بأن قال : إن كلمة
إِذا
تفيد ظرف الزمان ، وكلمة
يَشاءُ
صيغة المستقبل ، فلو كانت مشيئته تعالى قديمة لم يكن لتخصيصها بذلك الوقت المعين من المستقبل فائدة ، ولما دل قوله
إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ
على هذا التخصيص علمنا أن مشيئته تعالى محدثة والجواب : أن هاتين الكلمتين كما دخلتا على المشيئة ، أي مشيئة اللّه ، فقد دخلتا أيضا على لفظ القدير فلزم على هذا أن يكون كونه قادرا صفة محدثة ، ولما كان هذا باطلا ، فكذا القول فيما ذكره ، واللّه أعلم .
ثم قال تعالى :
وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ
وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : قرأ نافع وابن عامر بما كسبت بغير فاء ، وكذلك هي في مصاحف الشام والمدينة ، والباقون بالفاء وكذلك هي في مصاحفهم ، وتقدير الأول أن ما مبتدأ بمعنى الذي ، وبما كسبت خبره ، والمعنى والذي أصابكم وقع بما كسبت أيديكم ، وتقدير الثاني تضمين كلمة : ما معنى الشرطية .
المسألة الثانية : المراد بهذه المصائب الأحوال المكروهة نحو الآلام والأسقام والقحط والغرق والصواعق وأشباهها ، واختلفوا في نحو الآلام أنها هل هي عقوبات على ذنوب سلفت أم لا ؟ منهم من أنكر ذلك لوجوه الأول : قوله تعالى :
الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ
[ غافر : 17 ] بيّن تعالى أن الجزاء إنما يحصل في يوم القيامة ، وقال تعالى في سورة الفاتحة
مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ
[ الفاتحة : 4 ] أي يوم الجزاء ، وأطبقوا على أن المراد منه يوم القيامة والثاني : أن مصائب الدنيا يشترك فيها الزنديق والصديق ، وما يكون كذلك امتنع جعله من باب العقوبة على الذنوب ، بل الاستقراء يدل على أن حصول هذه المصائب للصالحين والمتقين أكثر منه للمذنبين ، ولهذا
قال صلى اللّه عليه وسلّم : « خص البلاء بالأنبياء ، ثم الأولياء ، ثم الأمثل فالأمثل »
الثالث : أن الدنيا دار التكليف ، فلو جعل الجزاء فيها لكانت الدنيا دار التكليف ودار الجزاء معا ، وهو محال ، وأما القائلون بأن هذه المصائب قد تكون أجزية على الذنوب المتقدمة ، فقد تمسكوا أيضا بما
روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم أن قال : « لا يصيب ابن آدم خدش عود ولا غيره إلا بذنب أو لفظ »
هذا معناه وتمسكوا أيضا بهذه الآية ، وتمسكوا أيضا بقوله تعالى :
فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ
[ النساء : 160 ] وتمسكوا أيضا بقوله تعالى بعد هذه الآية
أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا
[ الشورى : 34 ] وذلك تصريح بأن ذلك الإهلاك كان بسبب كسبهم ، وأجاب الأولون عن التمسك بهذه الآية ، فقالوا إن حصول هذه المصائب يكون من باب الامتحان في التكليف ، لا من باب العقوبة كما في حق الأنبياء والأولياء ، ويحمل قوله
فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ
/ على أن الأصلح عند إتيانكم بذلك الكسب إنزال هذه المصائب عليكم ، وكذا الجواب عن بقية الدلائل ، واللّه أعلم .
المسألة الثالثة : احتج أهل التناسخ بهذه الآية ، وكذلك الذين يقولون إن الأطفال والبهائم لا تتألم ، فقالوا دلّت الآية على أن حصول المصائب لا يكون إلا لسابقة الجرم ، ثم إن أهل التناسخ قالوا : لكن هذه المصائب حاصلة للأطفال والبهائم ، فوجب أن يكون قد حصل لها ذنوب في الزمان السابق ، وأما القائلون بأن الأطفال