والبهائم ليس لها ألم قالوا قد ثبت أن هذه الأطفال والبهائم ما كانت موجودة في بدن آخر لفساد القول بالتناسخ فوجب القطع بأنها لا تتألم إذ الألم مصيبة والجواب : أن قوله تعالى :
وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ
خطاب مع من يفهم ويعقل ، فلا يدخل فيه البهائم والأطفال ، ولم يقل تعالى : إن جميع ما يصيب الحيوان من المكاره فإنه بسبب ذنب سابق ، واللّه أعلم .
المسألة الرابعة : قوله
فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ
يقتضي إضافة الكسب إلى اليد ، قال والكسب لا يكون باليد ، بل بالقدرة القائمة باليد ، وإذا كان المراد من لفظ اليد هاهنا القدرة ، وكان هذا المجاز مشهورا مستعملا ، كان لفظ اليد الوارد في حق اللّه تعالى يجب حمله على القدرة تنزيها للّه تعالى عن الأعضاء والأجزاء ، واللّه أعلم .
ثم قال تعالى :
وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ
ومعناه أنه تعالى قد يترك الكثير من هذه التشديدات بفضله ورحمته ، وعن الحسن قال : دخلنا على عمران بن حصين في الوجع الشديد ، فقيل له : إنا لنغتم لك من بعض ما نرى ، فقال لا تفعلوا فو اللّه إن أحبه إلى اللّه أحبه إلي ، وقرأ
وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ
فهذا بما كسبت يداي ، وسيأتيني عفو ربي ،
وقد روى أبو سخلة عن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم قرأ هذه الآية وقال : « ما عفى اللّه عنه فهو أعز وأكرم من أن يعود إليه في الآخرة ، وما عاقب عليه في الدنيا فاللّه أكرم من أن يعيد العذاب عليه في الآخرة » رواه الواحدي في « البسيط » ،
وقال إذا كان كذلك فهذه أرجى آية في كتاب اللّه لأن اللّه تعالى جعل ذنوب المؤمنين صنفين : صنف كفره عنهم بالمصائب في الدنيا ، وصنف عفا عنه في الدنيا ، وهو كريم لا يرجع في عفوه ، وهذه سنّة اللّه مع المؤمنين ، وأما الكافر فلأنه لا يجعل عليه عقوبة ذنبه حتى يوافي ربه يوم القيامة .
ثم قال تعالى :
وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ
يقول ما أنتم معشر المشركين بمعجزين في الأرض ، أي لا تعجزونني حيثما كنتم ، فلا تسبقونني بسبب هربكم في الأرض
وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ
والمراد بهم من يعبد الأصنام ، بين أنه لا فائدة فيها البتة ، والنصير هو اللّه تعالى ، فلا جرم هو الذي تحسن عبادته .
[ سورة الشورى ( 42 ) : الآيات 32 إلى 39 ]
وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ ( 32 ) إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ( 33 ) أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ ( 34 ) وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِنا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ ( 35 ) فَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ( 36 )
وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ ( 37 ) وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ( 38 ) وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ( 39 )