تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 263

مساهمون:

ص٢٦٣
وهو قد آمن دل على أن إنذارهم وإظهارهم بلغ إلى أقصى المدينة وثانيهما : أن ضرب المثل لما كان لمحمد صلى اللّه عليه وآله وسلم تسلية لقلبه ذكر بعد الفراغ من ذكر الرسل سعى المؤمنين في تصديق رسلهم وصبرهم على ما أوذوا ، ووصول الجزاء الأوفى إليهم ليكون ذلك تسلية لقلب أصحاب محمد ، كما أن ذكر المرسلين تسلية لقلب محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم ، وفي التفسير مسائل : المسألة الأولى : قوله :
وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ
في تنكير الرجل مع أنه كان معروفا معلوما عند اللّه فائدتان الأولى : أن يكون تعظيما لشأنه أي رجل كامل في الرجولية / الثانية : أن يكون مفيدا لظهور الحق من جانب المرسلين حيث آمن رجل من الرجال لا معرفة لهم به فلا يقال إنهم تواطؤا ، والرجل هو حبيب النجار كان ينحت الأصنام وقد آمن بمحمد صلى اللّه عليه وآله وسلم قبل وجوده حيث صار من العلماء بكتاب اللّه ، ورأى فيه نعت محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم وبعثته . المسألة الثانية : قوله :
يَسْعى
تبصرة للمؤمنين وهداية لهم ، ليكونوا في النصح باذلين جهدهم ، وقد ذكرنا فائدة قوله :
مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ
وهي تبليغهم الرسالة بحيث انتهى إلى من في أقصى المدينة والمدينة هي أنطاكية ، وهي كانت كبيرة شاسعة وهي الآن دون ذلك ومع هذا فهي كبيرة وقوله تعالى :
قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ
فيه معان لطيفة الأول : في قوله :
يا قَوْمِ
فإنه ينبئ عن إشفاق عليهم وشفقة فإن إضافتهم إلى نفسه بقوله :
يا قَوْمِ
يفيد أنه لا يريد بهم إلا خيرا ، وهذا مثل قول مؤمن آل فرعون
يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ
[ غافر : 38 ] فإن قيل قال هذا الرجل
اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ
وقال ذلك
اتَّبِعُونِ
فما الفرق ؟ نقول هذا الرجل جاءهم وفي أول مجيئه نصحهم وما رأوا سيرته ، فقال : اتبعوا هؤلاء الذين أظهروا لكم الدليل وأوضحوا لكم السبيل ، وأما مؤمن آل فرعون فكان فيهم واتبع موسى ونصحهم مرارا فقال اتبعوني في الإيمان بموسى وهارون عليهما السلام ، واعلموا أنه لو لم يكن خيرا لما اخترته لنفسي وأنتم تعلمون أني اخترته ، ولم يكن للرجل الذي جاء من أقصى المدينة أن يقول أنتم تعلمون اتباعي لهم الثاني : جمع بين إظهار النصيحة وإظهار إيمانه فقوله :
اتَّبِعُوا
نصيحة وقوله :
الْمُرْسَلِينَ
إظهار أنه آمن الثالث : قدم إظهار النصيحة على إظهار الإيمان لأنه كان ساعيا في النصح ، وأما الإيمان فكان قد آمن من قبل وقوله :
رَجُلٌ يَسْعى
يدل على كونه مريدا للنصح وما ذكر في حكايته أنه كان يقتل وهو يقول : « اللهم اهد قومي » . ثم قال تعالى :

[ سورة يس ( 36 ) : آية 21 ]

اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ ( 21 ) وهذا في غاية الحسن وذلك من حيث إنه لما قال :
اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ
كأنهم منعوا كونهم مرسلين فنزل درجة وقال لا شك أن الخلق في الدنيا سالكون طريقة وطالبون للاستقامة ، والطريق إذا حصل فيه دليل يدل يجب اتباعه ، والامتناع من الاتباع لا يحسن إلا عند أحد أمرين ، إما مغالاة الدليل في طلب الأجرة ، وإما عند عدم الاعتماد على اهتدائه ومعرفته الطريق ، لكن هؤلاء لا يطلبون أجرة وهم مهتدون عالمون بالطريقة المستقيمة الموصلة إلى الحق ، فهب أنهم ليسوا بمرسلين هادين ، أليسوا بمهتدين ، فاتبعوهم .

[ سورة يس ( 36 ) : آية 22 ]

وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 22 ) ثم قال تعالى :
وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي
لما قال :
وَهُمْ مُهْتَدُونَ
[ يس : 21 ] بين ظهور
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 263 | فخر الدين الرازي