قالوا فيه إنه موجب بالذات وقد استوينا في البشرية فلا يمكن الرجحان ، واللّه تعالى رد عليهم قولهم بقوله :
اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ
[ الأنعام : 124 ] وبقوله :
اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ
[ الشورى : 13 ] إلى غير ذلك ، وقوله :
وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ
يحتمل وجهين أحدهما : أن يكون متمما لما ذكروه فيكون الكل شبهة واحدة ، ووجهه هو أنهم قالوا أنتم بشر فما نزلتم من عند اللّه وما أنزل اللّه إليكم أحدا ، فكيف صرتم رسلا للّه ؟ وثانيهما : أن يكون هذا شبهة أخرى مستقلة ووجهه هو أنهم لما قالوا أنتم بشر مثلنا فلا يجوز رجحانكم علينا ذكروا الشبهة من جهة النظر إلى المرسلين ، ثم قالوا شبهة أخرى من جهة المرسل ، وهو أنه تعالى ليس بمنزل شيئا في هذا العالم ، فإن تصرفه في العالم العلوي وللعلويات التصرف في السفليات على مذهبهم ، فاللّه تعالى لم ينزل شيئا من الأشياء في الدنيا فكيف أنزل إليكم ، وقوله :
الرَّحْمنُ
إشارة إلى الرد عليهم ، لأن اللّه لما كان رحمن الدنيا والإرسال رحمة ، فكيف لا ينزل رحمته وهو رحمن ، فقال إنهم قالوا : ما أنزل الرحمن شيئا ، وكيف لا ينزل الرحمن مع كونه رحمن شيئا ، هو الرحمة الكاملة .
ثم قال تعالى :
إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ
أي ما أنتم إلا كاذبين .
[ سورة يس ( 36 ) : آية 16 ]
قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ ( 16 )
إشارة إلى أنهم بمجرد التكذيب لم يسأموا ولم يتركوا ، بل أعادوا ذلك لهم وكرروا القول عليهم وأكدوه باليمين وقالوا ربنا يعلم إنا إليكم المرسلون وأكدوه باللام ، لأن يعلم اللّه يجري مجرى القسم ، لأن من يقول يعلم اللّه فيما لا يكون فقد نسب اللّه إلى الجهل وهو سبب العقاب ، كما أن الحنث سببه ، وفي قوله :
رَبُّنا يَعْلَمُ
إشارة إلى الرد عليهم حيث قالوا أنتم بشر ، وذلك لأن اللّه إذا كان يعلم أنهم لمرسلون ، يكون كقوله تعالى : /
اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ
[ الأنعام : 124 ] يعني هو عالم بالأمور وقادر ، فاختارنا بعلمه لرسالته . ثم قال :
[ سورة يس ( 36 ) : آية 17 ]
وَما عَلَيْنا إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ ( 17 )
تسلية لأنفسهم ، أي نحن خرجنا عن عهدة ما علينا وحثا لهم على النظر ، فإنهم لما قالوا :
ما عَلَيْنا إِلَّا الْبَلاغُ
كان ذلك يوجب تفكرهم في أمرهم حيث لم يطلبوا منهم أجرا ولا قصدوا رئاسة ، وإنما كان شغلهم التبليغ والذكر ، وذلك مما يحمل العاقل على النظر و
الْمُبِينُ
يحتمل أمورا أحدها : البلاغ المبين للحق عن الباطل ، أي الفارق بالمعجزة والبرهان وثانيها : البلاغ المظهر لما أرسلنا للكل ، أي لا يكفي أن نبلغ الرسالة إلى شخص أو شخصين وثالثها : البلاغ المظهر للحق بكل ما يمكن ، فإذا تم ذلك ولم يقبلوا يحق هنالك الهلاك .
[ سورة يس ( 36 ) : آية 18 ]
قالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ ( 18 )
ثم كان جوابهم بعد هذا أنهم قالوا إنا تطيرنا بكم وذلك أنه لما ظهر من الرسل المبالغة في البلاغ ظهر منهم الغلو في التكذيب ، فلما قال المرسلون :
إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ
[ يس : 14 ] قالوا :
إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ
[ يس : 15 ] ولما أكد الرسل قولهم باليمين حيث قالوا :
رَبُّنا يَعْلَمُ
[ يس : 16 ] أكدوا قولهم بالتطير بهم فكأنهم قالوا في الأول كنتم كاذبين ، وفي الثاني صرتم مصرين على الكذب ، حالفين مقسمين عليه ، و « اليمين الكاذبة تدع الديار بلاقع » فتشاءمنا بكم ثانيا ، وفي الأول كما تركتم ففي الثاني لا نترككم لكون الشؤم مدركنا