تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 266

مساهمون:

ص٢٦٦
بزيد فيجعل المسؤول مفعولا بغير حرف لأنه هو المقصود إذا علمت هذا فالمقصود فيما نحن فيه بيان كون العبد تحت تصرف اللّه يقلبه كيف يشاء في البؤس والرخاء ، وليس الضر بمقصود بيانه ، كيف والقائل مؤمن يرجو الرحمة والنعمة بناء على إيمانه بحكم وعد اللّه ويؤيد هذا قوله من قبل
الَّذِي فَطَرَنِي
[ يس : 22 ] حيث جعل نفسه مفعول الفطرة فكذلك جعلها مفعول الإرادة وذكر الضر وقع تبعا وكذا القول في قوله تعالى :
إِنْ أَرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ
[ الزمر : 38 ] المقصود بيان أنه يكون كما يريد اللّه وليس الضر بخصوصه مقصودا بالذكر ويؤيده ما تقدم حيث قال تعالى :
أَ لَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ
[ الزمر : 36 ] يعني هو تحت إرادته ويتأيد ما ذكرناه بالنظر في قوله تعالى :
قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءاً
[ الأحزاب : 17 ] حيث خالف هذا النظم وجعل المفعول من غير حرف السوء وهو كالضر والمفعول بحرف هو المكلف ، وذلك لأن المقصود ذكر الضر للتخويف وكونهم محلا له ، وكيف لا وهم كفرة استحقوا العذاب بكفرهم فجعل الضر مقصودا بالذكر لزجرهم ، فإن قيل فقد ذكر اللّه الرحمة أيضا حيث قال :
أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً
[ الأحزاب : 17 ] نقول المقصود ذلك ، ويدل عليه قوله تعالى من بعده
وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً
[ الأحزاب : 17 ] وإنما ذكر الرحمة تتمة للأمر بالتقسيم الحاصر ، وكذلك إذا تأملت في قوله تعالى :
يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعاً
[ الفتح : 11 ] فإن الكلام أيضا مع الكفار وذكر النفع وقع تبعا لحصر الأمر بالتقسيم ، ويدل عليه قوله تعالى :
بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً
[ الفتح : 11 ] فإنه للتخويف ، وهذا كقوله تعالى :
وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ
[ سبأ : 24 ] ، والمقصود إني على هدى وأنتم في ضلال ، ولو قال هكذا لمنع مانع فقال بالتقسيم كذلك هاهنا / المقصود الضر واقع بكم ولأجل دفع المانع قال الضر والنفع . المسألة الثانية : قال هاهنا :
إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ
وقال في الزمر :
إِنْ أَرادَنِيَ اللَّهُ
[ الزمر : 38 ] فما الحكمة في اختيار صيغة الماضي هنالك واختيار صيغة المضارع هاهنا وذكر المريد باسم الرحمن هنا وذكر المريد باسم اللّه هناك ؟ نقول أما الماضي والمستقبل فإن إن في الشرط تصير الماضي مستقبلا وذلك لأن المذكور هاهنا من قبل بصيغة الاستقبال في قوله :
أَ أَتَّخِذُ
وقوله :
وَما لِيَ لا أَعْبُدُ
[ يس : 22 ] والمذكور هناك من قبل بصيغة الماضي في قوله :
أَ فَرَأَيْتُمْ *
[ الزمر : 38 ] وكذلك في قوله تعالى :
وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ *
[ الأنعام : 17 ] لكون المتقدم عليه مذكورا بصيغة المستقبل وهو قوله :
مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ
[ الأنعام : 16 ] وقوله :
إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ *
[ الأنعام : 15 ] والحكمة فيه هو أن الكفار كانوا يخرفون النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم بضر يصيبه من آلهتهم فكأنه قال صدر منكم التخويف ، وهذا ما سبق منكم ، وهاهنا ابتداء كلام صدر من المؤمن للتقرير ، والجواب ما كان يمكن صدوره منهم فافترق الأمران ، وأما قوله هناك :
إِنْ أَرادَنِيَ اللَّهُ
[ الزمر : 38 ] فنقول قد ذكرنا أن الاسمين المختصين بواجب الوجود اللّه والرحمن كما قال تعالى :
قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ
[ الإسراء : 110 ] واللّه للهيبة والعظمة والرحمن للرأفة والرحمة ، وهناك وصف اللّه بالعزة والانتقام في قوله :
أَ لَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ
[ الزمر : 37 ] وذكر ما يدل على العظمة ما يدل على العظمة بقوله :
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ *
[ العنكبوت : 61 ] فذكر الاسم الدال على العظمة وقال هاهنا ما يدل على الرحمة بقوله :
الَّذِي فَطَرَنِي
[ يس : 22 ] فإنه نعمة هي شرط سائر النعم فقال :
إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ
ثم قال
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 266 | فخر الدين الرازي