المسألة الرابعة : قال مالك والشافعي حد القذف يورث ، فإذا مات المقذوف قبل استيفاء الحد وقبل العفو يثبت لوارثه حد القذف ، وكذلك إذا كان الواجب بقذفه التعزير ، فإنه يورث عنه ، وكذا لو أنشأ القذف بعد موت المقذوف ثبت لوارثه طلب الحد . وعند أبي حنيفة رحمه اللَّه : حد القذف لا يورث ويسقط بالموت . حجة الشافعي رحمه اللَّه ، أن حد القذف هو حق الآدمي لأنه يسقط بعفوه ولا يستوفي إلا بطلبه ويحلف فيه المدعى عليه إذا أنكر ، وإذا كان حق الآدمي وجب أن يورث
لقوله عليه السلام : « ومن ترك حقا فلورثته »
حجة أبي حنيفة رحمه اللَّه : أنه لو كان موروثا لكان للزوج أو الزوجة فيه نصيب ، ولأنه حق ليس فيه معنى المال والوثيقة فلا يورث كالوكالة والمضاربة والجواب : عن الأول أن الأصح عند الشافعية أنه يرثه جميع الورثة كالمال ، وفيه وجه ثان أنه يرثه كلهم إلا الزوج والزوجة ، لأن الزوجية ترتفع بالموت ، ولأن المقصود من الحد دفع العار عن النسب ، وذلك لا يلحق الزوج والزوجة .
المسألة الخامسة : إذا قذف إنسان إنسانا بين يدي الحاكم ، أو قذف امرأته برجل بعينه والرجل غائب ، فعلى الحاكم أن يبعث إلى المقذوف ويخبره بأن فلانا قذفك وثبت لك حد القذف عليه ، كما لو ثبت له مال على آخر وهو لا يعلمه يلزمه إعلامه ، وعلى هذا المعنى « بعث النبي صلى اللَّه عليه وسلم أنيسا ليخبرها بأن فلانا قذفها بابنه ولم يبعثه ليتفحص عن زناها » قال الشافعي رحمه اللَّه وليس للإمام إذا رمى رجل بزنا أن يبعث إليه فيسأله عن ذلك لأن اللَّه تعالى قال :
وَلا تَجَسَّسُوا
وأراد به إذا لم يكن القاذف معينا ، مثل إن قال رجل بين يدي الحاكم الناس يقولون إن فلانا زنى فلا يبعث الحاكم إليه فيسأله .
أما قوله تعالى :
وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً
فاختلف الفقهاء فيه ، فقال أكثر الصحابة والتابعين إنه إذا تاب قبلت شهادته وهو قول الشافعي رحمه اللَّه ، وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والحسن بن صالح رحمهم اللَّه لا تقبل شهادة المحدود في القذف إذا تاب ، وهذه المسألة مبنية على أن قوله :
إِلَّا الَّذِينَ تابُوا
هل عاد إلى جميع الأحكام المذكورة أو اختص بالجملة الأخيرة ، فعند أبي حنيفة رحمه اللَّه الاستثناء المذكور عقيب الجمل الكثيرة مختص بالجملة الأخيرة ، وعند الشافعي رحمه اللَّه يرجع إلى الكل ، وهذه المسألة قد لخصناها في أصول الفقه ، ونذكر هاهنا ما يليق بهذا الموضع إن شاء اللَّه تعالى ، احتج الشافعي رحمه اللَّه على أن شهادته مقبولة بوجوه : أحدها :
قوله عليه السلام : « التائب من الذنب كمن لا ذنب له »
ومن لا ذنب له مقبول الشهادة ، فالتائب يجب أن يكون أيضا مقبول الشهادة وثانيها : أن الكافر يقذف فيتوب عن الكفر فتقبل شهادته بالإجماع ، فالقاذف / المسلم إذا تاب عن القذف وجب أن تقبل شهادته ، لأن القذف مع الإسلام أهون حالا من القذف مع الكفر ، فإن قيل المسلمون لا يألمون بسب الكفار ، لأنهم شهروا بعداوتهم والطعن فيهم بالباطل ، فلا يلحق المقذوف بقذف الكافر من الشين والشنآن ما يلحقه بقذف مسلم مثله ، فشدد على القاذف من المسلمين زجرا عن إلحاق العار والشنآن ، وأيضا فاتائب من الكفر لا يجب عليه الحد والتائب من القذف لا يسقط عنه الحد ، قلنا هذا الفرق ملغى
بقوله عليه السلام : « أنبئهم أن لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين »
وثالثها : أجمعنا على أن التائب عن الكفر والقتل والزنا مقبول الشهادة فكذا التائب عن القذف ، لأن هذه الكبيرة ليست أكبر من نفس الزنا ورابعها : أن أبا حنيفة رحمه اللَّه يقبل شهادته إذ تاب قبل الحد مع أن الحد حق المقذوف فلا يزول بالتوبة . فلأن تقبل شهادته إذا تاب بعد إقامة الحد وقد حسنت حالته وزوال اسم الفسق عنه كان أولى وخامسها :