تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 325

مساهمون:

ص٣٢٥
شهادته بمجرد القذف لأنه كان عدلا ثقة والصادر عنه غير معارض ، ولما كان يجب أن يبقى على عدالته فوجب أن يكون مقبول الشهادة وثالثها : قوله عليه الصلاة والسلام : « المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا محدودا في قذف » أخبر النبي صلى اللَّه عليه وسلم ببقاء عدالة القاذف ما لم يحدو رابعها : ما روى عكرمة عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما في قصة هلال بن أمية لما قذف امرأته عند رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فقال رسول اللَّه : « يجلد هلال وتبطل شهادته في المسلمين » فأخبر أن بطلان شهادته متعلق بوقوع الجلد به ذلك يدل على أن مجرد القذف / لا يبطل الشهادة وخامسها : أن الشافعي رحمه اللَّه زعم أن شهود القذف إذا جاءوا متفرقين قبلت شهادتهم ، فإن كان القذف قد أبطل شهادته فواجب أن لا يقبلها بعد ذلك ، وإن شهد معه ثلاثة لأنه قد فسق بقذفه ووجب الحكم بكذبه ، وفي قبول شهادتهم إذا جاءوا متفرقين ما يلزمه أن لا تبطل شهادتهم بنفس القذف ، وأما وجه قول الشافعي رحمه اللَّه فهو أن اللَّه تعالى رتب على القذف مع عدم الإتيان بالشهداء الأربعة أمورا ثلاثة معطوفا بعضها على بعض بحرف الواو ، وحرف الواو لا يقتضي الترتيب . فوجب أن لا يكون بعضها مرتبا على البعض ، فوجب أن لا يكون رد الشهادة مرتبا على إقامة الحد ، بل يجب أن يثبت رد الشهادة سواء أقيم الحد عليه أو ما أقيم واللَّه أعلم . البحث الثاني : في كيفية الشهادة على الزنا قال اللَّه تعالى :
وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ
[ النساء : 15 ] وقال تعالى :
وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ
وقال سعد بن عبادة : « يا رسول اللَّه أرأيت إن وجدت مع امرأتي رجلا أمهله حتى آتي بأربعة شهداء ؟ قال نعم » ثم هاهنا مسائل : المسألة الأولى : الإقرار بالزنا هل يثبت بشهادة رجلين فيه قولان : أحدهما : لا يثبت إلا بأربعة كفعل الزنا والثاني : يثبت بخلاف فعل الزنا ، لأن الفعل يغمض الاطلاع عليه فاحتيط فيه باشتراط الأربع والإقرار أمر ظاهر فلا يغمض الاطلاع عليه . المسألة الثانية : إذا شهدوا على فعل الزنا يجب أن يذكروا الزاني ومن زنى بها ، لأنه قد يراه على جارية له فيظن أنها أجنبية ، ويجب أن يشهدوا أنا رأينا ذكره يدخل في فرجها دخول الميل في المكحلة ، فلو شهدوا مطلقا أنه زنى لا يثبت ، لأنهم ربما يرون المفاخذة زنا ، بخلاف ما لو قذف إنسانا فقال زنيت يجب الحد ولا يستفسر ، ولو أقر على نفسه بالزنا ، هل يشترط أن يستفسر ؟ فيه وجهان : أحدهما : نعم كالشهود والثاني : لا يجب كما في القذف . المسألة الثالثة : قال الشافعي رحمه اللَّه لا فرق بين أن يجيء الشهود متفرقين أو مجتمعين ، وقال أبو حنيفة رحمه اللَّه إذا شهدوا متفرقين لا يثبت وعليهم حد القذف ، حجة الشافعي رحمه اللَّه من وجوه : الأول : أن الإتيان بأربعة شهداء قدر مشترك بين الإتيان بهم مجتمعين أو متفرقين واللفظ الدال على ما به الاشتراك لا إشعار له بما به الامتياز ، فالآتي بهم متفرقين يكون عاملا بالنص فوجب أن يخرج عن العهدة الثاني : كل حكم يثبت بشهادة الشهود إذا جاءوا مجتمعين يثبت إذا جاءوا متفرقين كسائر الأحكام ، بل هذا أولى لأنهم إذا جاءوا متفرقين كان أبعد عن التهمة ، وعن أن يتلقن بعضهم من بعض ، فلذلك قلنا إذا وقعت ريبة للقاضي في شهادة الشهود فرقهم ليظهر على عورة إن كانت في شهادتهم الثالث : أنه لا يشترط أن يشهدوا معا في حالة واحدة ، بل إذا اجتمعوا
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 325 | فخر الدين الرازي