تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 329

مساهمون:

ص٣٢٩
والمعارض وهو الاستثناء يكفي في تصحيحه تعليقه بجملة واحدة ، لأن بهذا القدر يخرج الاستثناء عن أن يكون لغوا فوجب تعليقه بالجملة الواحدة فقطو ثالثها : أن الاستثناء لو رجع إلى كل الجمل المتقدمة لوجب أنه إذا تاب أن لا يجلد وهذا باطل بالإجماع فوجب أن يختص الاستثناء بالجملة الأخيرة والجواب : عن الأول أن الاستثناء من النفي إثبات ومن الإثبات نفي ، فالاستثناء عقيب الاستثناء لو رجع إلى الاستثناء الأول وإلى المستثنى فبقدر ما نفي من أحدهما أثبت في الآخر فينجبر الناقص بالزائد ويصير الاستثناء الثاني عديم الفائدة ، فلهذا السبب قلنا في الاستثناء من الاستثناء إنه يختص بالجملة الأخيرة والجواب : عن الثاني أنا بينا أن واو العطف لا تقتضي الترتيب فلم يكن بعض الجمل متأخرا في التقدير عن البعض ، فلم يكن تعليقه بالبعض أولى من تعليقه بالباقي ، واحتج أصحاب أبي حنيفة رحمه اللَّه في المسألة بوجوه من الأخبار أحدها : ما روى ابن عباس رضي اللَّه عنهما في قصة هلال بن أمية حين قذف امرأته بشريك بن سحماء فقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : « يجلد هلال وتبطل شهادته في المسلمين » فأخبر رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم / أن وقوع الجلد به يبطل شهادته من غير شرط التوبة في قبولها وثانيها : أن قوله عليه السلام : « المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا محدود في قذف » ولم يشترط فيه وجود التوبة منه وثالثها : ما روى عمر وبن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال : « لا تجوز شهادة محدود في الإسلام » قالت الشافعية هذا معارض بوجوه : أحدها : قوله عليه السلام : « إذا علمت مثل الشمس فاشهد » والأمر للوجوب فإذا علم المحدود وجبت عليه الشهادة ولو لم تكن مقبولة لما وجبت لأنها تكون عبثا وثانيها : قوله عليه السلام : « نحن نحكم بالظاهر » وهاهنا قد حصل الظهور لأن دينه وعقله وعفته الحاصلة بالتوبة تفيد ظن كونه صادقا وثالثها : ما روي عن عمر بن الخطاب « أنه ضرب الذين شهدوا على المغيرة بن شعبة وهم أبو بكرة ونافع ونفيع ، ثم قال لهم من أكذب نفسه قبلت شهادته ومن لم يفعل لم أجز شهادته فأكذب نافع ونفيه أنفسهما وتابا وكان يقبل شهادتهما . وأما أبو بكرة فكان لا يقبل شهادته » وما أنكر عليه أحد من الصحابة فيه ، فهذا تمام الكلام في هذه المسألة . أما قوله تعالى :
وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ
فاعلم أنه يدل على أمرين : الأول : أن القذف من جملة الكبائر لأن اسم الفسق لا يقع إلا على صاحب الكبيرة الثاني : أنه اسم لمن يستحق العقاب لأنه لو كان مشتقا من فعله لكانت التوبة لا تمنع من دوامه كما لا تمنع من وصفه بأنه ضارب وبأنه رام إلى غير ذلك . وأما قوله تعالى :
إِلَّا الَّذِينَ تابُوا
فاعلم أنهم اختلفوا في أن التوبة عن القذف كيف تكون ، قال الشافعي رحمه اللَّه التوبة منه إكذابه نفسه ، واختلف أصحابه في معناه فقال الأصطخري يقول : كذبت فيما قلت فلا أعود لمثله ، وقال أبو إسحاق لا يقول كذبت لأنه ربما يكون صادقا فيكون قوله كذبت كذبا والكذب معصية ، والإتيان بالمعصية لا يكون توبة عن معصية أخرى ، بل يقول القاذف باطلا ندمت على ما قلت ورجعت عنه ولا أعود إليه . أما قوله :
وَأَصْلَحُوا
فقال أصحابنا إنه بعد التوبة لا بد من مضي مدة عليه في حسن الحال حتى تقبل شهادته وتعود ولايته ، ثم قدروا تلك المدة بسنة حتى تمر عليه الفصول الأربع التي تتغير فيها الأحوال والطباع كما يضرب للعنين أجل سنة ، وقد علق الشرع أحكاما بالسنة من الزكاة والجزية وغيرهما .