تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 323

مساهمون:

ص٣٢٣
بعد البلوغ ، لقوله عليه الصلاة والسلام : « رفع القلم عن ثلاث » ولكن يعزران للتأديب إن كان لهما تمييز ، فلو لم تتفق إقامة التعزير على الصبي حتى بلغ ، قال القفال يسقط التعزير لأنه كان للزجر عن إساءة الأدب وقد حدث زاجر أقوى وهو البلوغ . المسألة الثانية : الأخرس إذا كانت له إشارة مفهومة أو كتابة معلومة وقذف بالإشارة أو بالكناية لزمه الحد ، وكذلك يصح لعانه بالإشارة والكناية ، وعند أبي حنيفة رحمه اللَّه لا يصح قذف الأخرس ولا لعانه ، وقول الشافعي رحمه اللَّه أقرب إلى ظاهر الآية لأن من كتب أو أشار إلى القذف فقد رمى المحصنة وألحق العار بها فوجب اندراجه تحت الظاهر ، ولأنا نقيس قذفه ولعانه على سائر الأحكام . المسألة الثالثة : اختلفوا فيما إذا قذف العبد حرا فقال الشافعي وأبو حنيفة ومالك وأبو يوسف ومحمد وزفر وعثمان القن عليه أربعون جلدة ، روى الثوري عن جعفر بن محمد عن أبيه أن عليا عليه السلام قال : « يجلد العبد في القذف أربعين » وعن عبد اللَّه بن عمر أنه قال : « أدركت أبا بكر وعمر وعثمان ومن بعدهم من الخلفاء وكلهم يضربون المملوك في القذف أربعين » وقال الأوزاعي يجلد ثمانين وهو مروي عن ابن مسعود ، وروي أنه جلد عمر بن عبد العزيز العبد في الفرية ثمانين . ومدار المسألة على حرف واحد وهو أن هذه الآية صريحة في إيجاب الثمانين فمن رد هذا الحد إلى أربعين فطريقه أن اللَّه تعالى قال :
فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ
[ النساء : 25 ] فنص على أن حد الأمة في الزنا نصف حد الحرة ، ثم قاسوا العبد على الأمة في تنصيف حد الزنا ، ثم قاسوا تنصيف حد قذف العبد على تنصيف حد الزنا في حقه ، فرجع حاصل الأمر إلى تخصيص عموم الكتاب بهذا القياس . المسألة الرابعة : اتفقوا على دخول الكافر تحت عموم قوله :
وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ
لأن الاسم يتناوله ولا مانع ، فاليهودي إذا قذف المسلم يجلد ثمانين واللَّه أعلم . البحث الثالث : في المرمى وهي المحصنة ، قال أبو مسلم : اسم الإحصان يقع على المتزوجة وعلى العفيفة وإن لم تتزوج ، لقوله تعالى في مريم :
وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها
[ الأنبياء : 91 ] وهو مأخوذ من منع الفرج فإذا تزوجت منعته إلا من زوجها ، وغير المتزوجة تمنعه كل أحد ، ويتفرع عليه مسائل : المسألة الأولى : ظاهر الآية يتناول جميع العفائف سواء كانت مسلمة أو كافرة وسواء كانت حرة أو رقيقة ، إلا أن الفقهاء قالوا : شرائط الإحصان خمسة الإسلام والعقل والبلوغ والحرية والعفة من الزنا ، وإنما اعتبرنا الإسلام لقوله عليه السلام : « من أشرك باللَّه فليس بمحصن » وإنما اعتبرنا العقل والبلوغ لقوله عليه السلام : « رفع القلم عن ثلاث » وإنما اعتبرنا الحرية لأن العبد ناقص الدرجة فلا يعظم عليه التعيير بالزنا ، وإنما اعتبرنا العفة عن الزنا لأن الحد مشروع لتكذيب القاذف ، فإذا كان المقذوف زانيا فالقاذف صادق في القذف . وكذلك إذا كان المقذوف وطأ امرأة بشبهة أو نكاح فاسد لأن فيه شبهة الزنا كما فيه شبهة الحل ، فكما أن إحدى الشبهتين أسقطت الحد عن الواطئ فكذا الأخرى تسقطه عن قاذفه أيضا ، ثم نقول من قذف كافرا أو مجنونا أو صبيا أو مملوكا ، أو من قد رمى امرأة ، فلا حد عليه ، بل يعزر للأذى ، حتى لو زنى في عنفوان شبابه مرة ثم تاب وحسن حاله وشاخ في الصلاح لا يحد قاذفه ، وكذلك لو زنى كافر أو رقيق ثم أسلم وعتق وصلح حاله فقذفه قاذف لا حد عليه ، بخلاف ما لو زنى في حال صغره أو جنونه ثم بلغ أو أفاق فقذفه قاذف يحد ، لأن فعل الصبي
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 323 | فخر الدين الرازي