تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 182

مساهمون:

ص١٨٢
أما قوله :
وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ
أي من غمه بسبب كونه في بطن الحوت ، وبسبب خطيئته ، وكما أنجينا يونس عليه السلام من كرب الحبس إذ دعانا : كذلك ننجي المؤمنين من كربهم إذا استغاثوا بنا . روى سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال : « دعوة ذي النون في بطن الحوت لا إله إلا أنت سبحانك ، إني كنت من الظالمين ، ما دعا بها عبد مسلم قط وهو مكروب إلا استجاب اللَّه دعاءه » . / قال صاحب « الكشاف » : قرئ ننجي وننجي ونجى والنون لا تدغم في الجيم ، ومن تمحل لصحته فجعله فعل وقال : نجى النجاء المؤمنين فأرسل الياء وأسنده إلى مصدره ، ونصب المؤمنين بالنجاء ، فتعسف بارد التعسف .

[ سورة الأنبياء ( 21 ) : الآيات 89 إلى 90 ]

وَزَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ ( 89 ) فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ ( 90 )

القصة التاسعة ، قصة زكريا عليه السلام

اعلم أنه تعالى بين انقطاع زكريا عليه السلام إلى ربه تعالى لما مسه الضر بتفرده ، وأحب من يؤنسه ويقويه على أمر دينه ودنياه ويكون قائما مقامه بعد موته ، فدعا اللَّه تعالى دعاء مخلص عارف بأنه قادر على ذلك ، وإن انتهت الحال به وبزوجته من كبر وغيره إلى اليأس من ذلك بحكم العادة . وقال ابن عباس رضي اللَّه عنهما : كان سنه مائة وسن زوجته تسعا وتسعين . أما قوله :
وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ
ففيه وجهان : أحدهما : أنه عليه السلام إنما ذكره في جملة دعائه على وجه الثناء على ربه ليكشف عن علمه بأن مآل الأمور إلى اللَّه تعالى . والثاني : كأنه عليه السلام قال : « إن لم ترزقني من يرثني فلا أبالي فإنك خير وارث » . وأما قوله تعالى :
فَاسْتَجَبْنا لَهُ
أي فعلنا ما أراده لأجل سؤاله ، وفي ذلك إعظام له ، فلذلك تقول العلماء بأن الاستجابة ثواب لما فيه من الإعظام . وأما قوله تعالى :
وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى
فهو كالتفسير للاستجابة وفي تفسير قوله :
وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ
ثلاثة أقوال : أحدها : أصلحها للولادة بأن أزال عنها المانع بالعادة ، وهذا أليق بالقصة . والثاني : أنه أصلحها في أخلاقها وقد كانت على طريقة من سوء الخلق وسلاطة اللسان تؤذيه وجعل ذلك من نعمه عليه . والثالث : أنه سبحانه جعلها مصلحة في الدين ، فإن صلاحها في الدين من أكبر أعوانه في كونه داعيا إلى اللَّه تعالى فكأنه عليه السلام سأل ربه المعونة على الدين والدنيا بالولد والأهل جميعا . وهذا كأنه أقرب إلى الظاهر لأنه إذا قيل : أصلح اللَّه فلانا فالأظهر فيه ما يتصل بالدين ، واعلم أن قوله :
وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ
يدل على أن الواو لا تفيد الترتيب / لأن إصلاح الزوج مقدم على هبة الولد مع أنه تعالى أخره في اللفظ وبين تعالى مصداق ما ذكرناه فقال :
إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ
وأراد بذلك زكريا وولده وأهله فبين أنه آتاهم ما طلبوه وعضد بعضهم ببعض من حيث كانت طريقتهم أنهم يسارعون في الخيرات ، والمسارعة في طاعة اللَّه تعالى من أكبر ما يمدح المرء به لأنه يدل على حرص عظيم على الطاعة . أما قوله تعالى :
وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً
قرئ رغبا ورهبا وهو كقوله :
يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ