للأمر والنهي والجاهل باللَّه لا يكون مؤمنا فضلا عن أن يكون نبيا ، وأما ما
روي أنه خرج مغاضبا لأمر يرجع إلى الاستعداد ، وتناول النفل فمما يرتفع حال الأنبياء عليهم السلام عنه ،
لأن اللَّه تعالى إذا أمرهم بشيء فلا يجوز أن يخالفوه لقوله تعالى :
وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ
[ الأحزاب : 36 ] وقوله :
فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ
إلى قوله :
ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ
[ النساء : 65 ] فإذا كان في الاستعداد مخالفة لم يجز أن يقع ذلك منهم ، وإذا ثبت أنه لا يجوز صرف هذه المغاضبة إلى اللَّه تعالى ، وجب أن يكون المراد أنه خرج مغاضبا لغير اللَّه ، والغالب أنه إنما يغاضب من يعصيه فيما يأمره به فيحتمل قومه أو الملك أو هما جميعا ، ومعنى مغاضبته لقومه أنه أغضبهم بمفارقته لخوفهم حلول العذاب عليهم عندها ، وقرأ أبو شرف مغضبا .
أما قوله مغاضبة القوم أيضا كانت محظورة لقوله تعالى :
وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ
[ القلم : 48 ] قلنا لا نسلم أنها كانت محظورة ، فإن اللَّه تعالى أمره بتبليغ تلك الرسالة إليهم ، وما أمره بأن يبقى معهم أبدا فظاهر الأمر لا يقتضي التكرار ، فلم يكن خروجه من بينهم معصية ، وأما الغضب فلا نسلم أنه معصية وذلك لأنه لما لم يكن منهيا عنه قبل ذلك فظن أن ذلك جائز ، من حيث إنه لم يفعله إلا غضبا للَّه تعالى وأنفة لدينه وبغضا للكفر وأهله ، بل كان الأولى له أن يصابر وينتظر الإذن من اللَّه / تعالى في المهاجرة عنهم ، ولهذا قال تعالى :
وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ
كأن اللَّه تعالى أراد لمحمد صلى اللَّه عليه وسلم أفضل المنازل وأعلاها . والجواب عن الشبهة الثانية :
وهي التمسك بقوله تعالى :
فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ
أن نقول من ظن عجز اللَّه تعالى فهو كافر ، ولا خلاف أنه لا يجوز نسبة ذلك إلى آحاد المؤمنين ، فكيف إلى الأنبياء عليهم السلام فإذن لا بد فيه من التأويل وفيه وجوه :
أحدها :
فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ
لن نضيق عليه ، وهو كقوله تعالى :
اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ *
[ العنكبوت : 12 ] أي يضيق :
وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ
[ الطلاق : 7 ] أي ضيق :
وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ
[ الفجر : 16 ] أي ضيق ومعناه أن لن نضيق عليه ، واعلم أن على هذا التأويل تصير الآية حجة لنا ، وذلك لأن يونس عليه السلام ظن أنه مخير إن شاء أقام وإن شاء خرج ، وأنه تعالى لا يضيق عليه في اختياره ، وكان في المعلوم أن الصلاح في تأخر خروجه ، وهذا من اللَّه تعالى بيان لما يجري مجرى العذر له من حيث خرج ، لا على تعمد المعصية لكن لظنه أن الأمر في خروجه موسع يجوز أن يقدم ويؤخر ، وكان الصلاح خلاف ذلك . وثانيها : أن يكون هذا من باب التمثيل بمعنى فكانت حالته ممثلة بحالة من ظن أن لن نقدر عليه في خروجه من قومه من غير انتظار لأمر اللَّه تعالى . وثالثها : أن تفسر القدرة بالقضاء فالمعنى فظن أن لن نقضي عليه بشدة ، وهو قول مجاهد وقتادة والضحاك والكلبي ، ورواية العوفي عن ابن عباس رضي اللَّه عنهم واختيار الفراء والزجاج ، قال الزجاج : نقدر بمعنى نقدر . يقال : قدر اللَّه الشيء قدرا وقدره تقديرا ، فالقدر بمعنى التقدير وقرأ عمر بن عبد العزيز والزهري :
فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ
بضم النون والتشديد من التقدير ، وقرأ عبيد بن عمر بالتشديد على المجهول وقرأ يعقوب : ( يقدر عليه ) بالتخفيف على المجهول ،
وروي أنه دخل ابن عباس رضي اللَّه عنهما على معاوية رضي اللَّه عنه ، فقال معاوية : لقد ضربتني أمواج القرآن البارحة فغرقت فيها فلم أجد لنفسي خلاصا إلا بك فقال : وما هي ؟ قال : يظن نبي اللَّه أن لن يقدر اللَّه عليه ؟ فقال ابن عباس رضي اللَّه عنهما هذا من القدر لا من القدرة .
ورابعها : فظن أن لن نقدر : أي فظن أن لن نفعل لأن بين القدرة والفعل