مناسبة فلا يبعد جعل أحدهما مجازا عن الآخر . وخامسها : أنه استفهام بمعنى التوبيخ معناه أفظن أن لن نقدر عليه عن ابن زيد . وسادسها : أن على قول من يقول هذه الواقعة كانت قبل رسالة يونس عليه السلام كان هذا الظن حاصلا قبل الرسالة ، ولا يبعد في حق غير الأنبياء والرسل أن يسبق ذلك إلى وهمه بوسوسة الشيطان . ثم إنه يرده بالحجة والبرهان . والجواب عن الثالث : وهو التمسك بقوله :
إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ
فهو أن نقول إنا لو حملناه على ما قبل النبوة فلا كلام ، ولو حملناه على ما بعدها فهي واجبة التأويل لأنا لو أجريناها على ظاهرها ، لوجب القول بكون النبي مستحقا للعن ، وهذا لا يقوله مسلم ، وإذا وجب التأويل فنقول لا شك أنه كان تاركا للأفضل مع القدرة على تحصيل الأفضل فكان ذلك ظلما والجواب عن الرابع : أنا لا نسلم أن ذلك كان عقوبة إذ الأنبياء لا يجوز أن يعاقبوا ، بل المراد به المحنة ، لكن كثير من المفسرين يذكرون في كل مضرة تفعل / لأجل ذنب أنها عقوبة . والجواب عن الخامس : أن الملامة كانت بسبب ترك الأفضل .
المسألة الرابعة : قال صاحب « الكشاف » في الظلمات أي في الظلمة الشديدة المتكاثفة في بطن الحوت كقوله تعالى :
ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ
[ البقرة : 17 ] وقوله :
يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ
[ البقرة : 257 ] ومنهم من اعتبر أنواعا مختلفة من الظلمات فإن كان النداء في الليل فهناك ظلمة الليل والبحر وبطن الحوت ، وإن كان في النهار أضيف إليه ظلمة أمعاء الحوت ، أو أن حوتا ابتلع الحوت الذي هو في بطنه ، أو لأن الحوت إذا عظم غوصه في قعر البحر كان ما فوقه من البحر ظلمة في ظلمة ، أما قول من قال :
إن الحوت الذي ابتلعه غاص في الأرض السابعة فإن ثبت ذلك بخبر فلا كلام ، وإن قيل بذلك لكي يقع نداؤه في الظلمات فما قدمناه يغني عن ذلك .
أما قوله :
أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ
فالمعنى بأنه لا إله إلا أنت ، أو بمعنى أي ،
عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم أنه قال : « ما من مكروب يدعو بهذا الدعاء إلا استجيب له »
وعن الحسن : ما نجاه اللَّه تعالى إلا بإقراره عن نفسه بالظلم .
أما قوله سبحانك فهو تنزيه عن كل النقائص ومنها العجز ، وهذا يدل على أنه ما كان مراده من قوله :
فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ
أنه ظن العجز ، وإنما قال :
سُبْحانَكَ
لأن تقديره سبحانك أن تفعل ذلك جورا أو شهوة للانتقام ، أو عجزا عن تخليصي عن هذا الحبس ، بل فعلته بحق الإلهية وبمقتضى الحكمة .
أما قوله :
إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ
فالمعنى ظلمت نفسي بفراري من قومي بغير إذنك ، كأنه قال : كنت من الظالمين ، وأنا الآن من التائبين النادمين ، فاكشف عني المحنة ، يدل عليه قوله :
فَاسْتَجَبْنا لَهُ
وفيه وجه آخر وهو أنه عليه السلام وصفة بقوله :
لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ
بكمال الربوبية ووصف نفسه بقوله :
إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ
بضعف البشرية والقصور في أداء حق الربوبية ، وهذا القدر يكفي في السؤال على ما قال المتنبي :
وفي النفس حاجات وفيك فطانة * سكوتي كلام عندها وخطاب
و
روى عبد اللَّه بن رافع مولى أم سلمة عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال : « لما أراد اللَّه حبس يونس عليه السلام ، أوحى إلى الحوت أن خذه ولا تخدش له لحما ، ولا تكسر له عظما » فأخذه وهوى به إلى أسفل البحر ، فسمع يونس عليه السلام حسا ، فقال في نفسه : ما هذا ؟ فأوحى اللَّه إليه هذا تسبيح دواب البحر ، قال فسبح ، فسمعت الملائكة تسبيحه ، فقالوا مثله .