تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 112

مساهمون:

ص١١٢
أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى
ففي تقرير هذا الجواب وجهان : أحدهما : أنه تعالى إنما أنزل به هذا العمى جزاء على تركه اتباع الهدى والإعراض عنه . والثاني : هو أن الأرواح البشرية إذا فارقت أبدانها جاهلة ضالة عن الاتصال بالروحانيات بقيت على تلك الحالة بعد المفارقة وعظمت الآلام الروحانية ، فلهذا علل اللَّه تعالى حصول العمى في الآخرة بالإعراض عن الدلائل في الدنيا ، ومن فسر المعيشة الضنك بالضيق في الدنيا ، قال إنه تعالى بين أن من أعرض عن ذكره في الدنيا فله المعيشة الضنك في الدنيا ، والعمى في الآخرة ، أما قوله :
وَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ
فقد / اختلفوا فيه فبعضهم قال : أشرك وكفر ، وبعضهم قال : أسرف في أن عصى اللَّه وقد بين تعالى المراد بذلك بقوله :
وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ
لأن ذلك كالتفسير لقوله : أسرف وبين أنه يجزي من هذا حاله بما تقدم ذكره من المعيشة الضنك والعمى وبين بعد ذلك أن : عذاب
الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى
أما الأشد فلعظمه ، وأما الأبقى فلأنه غير منقطع .

[ سورة طه ( 20 ) : الآيات 128 إلى 130 ]

أَ فَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى ( 128 ) وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى ( 129 ) فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى ( 130 ) اعلم أنه تعالى لما بين أن من أعرض عن ذكره كيف يحشر يوم القيامة أتبعه بما يعتبر [ به ] المكلف من الأحوال الواقعة في الدنيا بمن كذب الرسل فقال :
أَ فَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ
والقراءة العامة أفلم يهد بالياء المعجمة من تحت وفاعله هو قوله :
كَمْ أَهْلَكْنا
قال القفال : جعل كثرة ما أهلك من القرون مبينا لهم ، كما جعل مثل ذلك واعظا لهم وزاجرا ، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي أفلم نهد لهم بالنون ، قال الزجاج : يعني أفلم نبين لهم بيانا يهتدون به لو تدبروا وتفكروا ، وأما قوله :
كَمْ أَهْلَكْنا
فالمراد به المبالغة في كثرة من أهلكه اللَّه تعالى من القرون الماضية وأراد بقوله :
يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ
أن قريشا يشاهدون تلك الآيات العظيمة الدالة على ما كانوا عليه من النعم ، وما حل بهم من ضروب الهلاك ، وللمشاهدة في ذلك من الاعتبار ما ليس لغيره ، وبين أن في تلك الآيات آيات لأولي النهى ، أي لأهل العقول والأقرب أن للنهية مزية على العقل ، والنهي لا يقال إلا فيمن له عقل ينتهي به عن القبائح ، كما أن لقولنا : أولو العزم مزية على أولو الحزم ، فلذلك قال بعضهم : أهل الورع وأهل التقوى ، ثم بين تعالى الوجه الذي لأجله لا ينزل العذاب معجلا على / من كذب وكفر بمحمد صلى اللَّه عليه وسلم فقال :
وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى
وفيه تقديم وتأخير ، والتقدير : ولولا كلمة سبقت من ربك وأجل مسمى لكان لزاما ، ولا شبهة في أن الكلمة هي إخبار اللَّه تعالى ملائكته وكتبه في اللوح المحفوظ ، أن أمته عليه السلام وإن كذبوا فسيؤخرون ولا يفعل بهم ما يفعل بغيرهم من الاستئصال ، واختلفوا فيما لأجله لم يفعل ذلك بأمة محمد صلى اللَّه عليه وسلم ، قال بعضهم : لأنه علم أن فيهم من يؤمن ، وقال آخرون : علم أن في نسلهم من يؤمن ولو أنزل بهم العذاب لعمهم الهلاك ، وقال آخرون : المصلحة فيه خفية لا يعلمها إلا هو ، وقال أهل السنة : له بحكم المالكية أن يخص من شاء بفضله ومن شاء بعذابه من غير علة ، إذ لو كان فعله لعلة لكانت تلك العلة إن كانت قديمة لزم قدم الفعل ، وإن كانت حادثة افتقرت إلى علة أخرى ولزم التسلسل ، فلهذا قال
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 112 | فخر الدين الرازي