تارك المندوب بأنه عاص مجاز والمجاز لا يطرد ، قلنا : لما سلمت كونه مجازا فالأصل عدمه ، أما قوله : أشرت عليه في أمر ولده في كذا فعصاني وأمرته بشرب الدواء فعصاني قلنا : لا نسلم أن هذا الاستعمال مروي عن العرب ، ولئن سلمنا ذلك ولكنهم إنما يطلقون ذلك إذا جزموا على المستشير بأنه لا بد وأن يفعل ذلك الفعل وأنه لا يجوز الإخلال بذلك الفعل / وحينئذ يكون معنى الإيجاب ، حاصلا وإن لم يكن الوجوب حاصلا ، وذلك يدل على أن لفظ العصيان لا يجوز إطلاقه إلا عند تحقق الإيجاب ، لكنا أجمعنا على أن الإيجاب من اللَّه تعالى يقتضي الوجوب ، فيلزم أن يكون إطلاق لفظ العصيان على آدم عليه السلام إنما كان لكونه تاركا للواجب ، ومن الناس من سلم أن الآية تدل على صدور المعصية منه لكنه زعم أن المعصية كانت من الصغائر لا من الكبائر ، وهذا قول عامة المعتزلة وهو أيضا ضعيف ، لأنا بينا أن اسم العاصي اسم للذم ، ولأن ظاهر القرآن يدل على أنه يستحق العقاب وذلك لا يليق بالصغيرة ، وأجاب أبو مسلم الأصفهاني بأنه عصى في مصالح الدنيا لا فيما يتصل بالتكاليف وكذلك القول في غوى ، وهذا أيضا بعيد لأن مصالح الدنيا تكون مباحة ، ومن يفعلها لا يوصف بالعصيان الذي هو اسم للذم ولا يقال : ( فدلاهما بغرور ) وأما التمسك بقوله تعالى :
فَغَوى
فأجابوا عنه من وجوه : أحدها : أنه خاب من نعيم الجنة وذلك لأنه لما أكل من تلك الشجرة ليصير ملكه دائما ثم لما أكل زال فلما خاب سعيه وما نجح قيل إنه غوى ، وتحقيقه أن الغي ضد الرشد ، والرشد هو أن يتوصل بشيء إلى شيء يوصل إلى المقصود فمن توصل بشيء إلى شيء فحصل له ضد مقصوده كان ذلك غيا . وثانيها : قال بعضهم :
غوى أي بشم من كثرة الأكل . قال صاحب « الكشاف » : هذا وإن صح على لغة من يقلب الياء المكسورة ما قبلها ألفا ، فيقول في فنى وبقي فنا وبقا ، وهم بنو طيء فهو تفسير خبيث ، واعلم أن الأولى عندي في هذا الباب والأحسم للشغب أن يقال : هذه الواقعة كانت قبل النبوة وقد شرحنا ذلك في سورة البقرة . وهاهنا بحث لا بد منه وهو أن ظاهر القرآن وإن دل على أن آدم عصى وغوى لكن ليس لأحد أن يقول : إن آدم كان عاصيا غاويا ، ويدل على صحة قولنا أمور : أحدها : قال العتبي : يقال لرجل قطع ثوبا وخاطه قد قطعه وخاطه ، ولا يقال :
خائط ولا خياط حتى يكون معاودا لذلك الفعل معروفا به ، ومعلوم أن هذه الزلة لم تصدر عن آدم عليه السلام إلا مرة واحدة فوجب أن لا يجوز إطلاق هذا الاسم عليه . وثانيها : أن على تقدير أن تكون هذه الواقعة إنما وقعت قبل النبوة ، لم يجز بعد أن قبل اللَّه توبته وشرفه بالرسالة والنبوة ، إطلاق هذا الاسم عليه كما لا يقال لمن أسلم بعد الكفر إنه كافر بمعنى أنه كان كافرا ، بل وبتقدير أن يقال : هذه الواقعة وقعت بعد النبوة لم يجز أيضا أن يقال ذلك لأنه عليه السلام تاب عنها ، كما أن الرجل المسلم إذا شرب الخمر أو زنى ثم تاب وحسنت توبته لا يقال له بعد ذلك إنه شارب خمر أو زان فكذا هاهنا . وثالثها : أن قولنا : عاص وغاو يوهم كونه عاصيا في أكثر الأشياء وغاويا عن معرفة اللَّه تعالى ولم ترد هاتان اللفظتان في القرآن مطلقتين بل مقرونتين بالقصة التي عصى فيها فكأنه قال : عصى في كيت وكيت وذلك لا يوهم التوهم الباطل الذي ذكرناه . ورابعها : أنه يجوز من اللَّه تعالى ما لا يجوز من غيره ، كما يجوز للسيد في عبيده وولده عند معصيته من إطلاق القول ما لا يجوز لغير السيد في عبده وولده ، أما قوله :
ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى
فالمعنى ثم اصطفاه فتاب عليه أي عاد / عليه بالعفو والمغفرة وهداه رشده حتى رجع إلى الندم والاستغفار وقبل اللَّه منه ذلك ،
روي عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم أنه قال : « لو جمع بكاء أهل الدنيا إلى بكاء داود كان بكاؤه أكثر ، ولو جمع كل ذلك إلى بكاء نوح لكان بكاء نوح أكثر ، وإنما سمي نوحا لنوحه على نفسه ، ولو جمع كل ذلك إلى بكاء آدم لكان بكاء آدم على خطيئته أكثر »
و
قال