وهب : إنه لما كثر بكاؤه أوحى اللَّه تعالى إليه وأمره بأن يقول : « لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك عملت سوءا وظلمت نفسي فاغفر لي إنك خير الغافرين » فقالها آدم عليه السلام ثم قال قل : « لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك عملت سوءا وظلمت نفسي فارحمني إنك أنت أرحم الراحمين » ثم قال قل : « لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك عملت سوءا وظلمت نفسي فتب علي إنك أنت التواب الرحيم »
قال ابن عباس رضي اللَّه عنهما : هذه الكلمات هي التي تلقاها آدم عليه السلام من ربه .
[ سورة طه ( 20 ) : الآيات 123 إلى 127 ]
قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى ( 123 ) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى ( 124 ) قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً ( 125 ) قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى ( 126 ) وَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى ( 127 )
اعلم أن على أول هذه الآية سؤالا وهو أن قوله :
اهْبِطا
، إما أن يكون خطابا مع شخصين أو أكثر فإن كان خطابا لشخصين فكيف قال بعده :
فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً
وهو خطاب الجمع وإن كان خطابا لأكثر من شخصين فكيف قال :
اهْبِطا
وذكروا في جوابه وجوها : أحدها : قال أبو مسلم : الخطاب لآدم ومعه ذريته ولإبليس ومعه ذريته فلكونهما جنسين صح قوله :
اهْبِطا
ولأجل اشتمال كل واحد من الجنسين على الكثرة صح قوله :
فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ
ثانيها : قال صاحب « الكشاف » : لما كان آدم وحواء عليهما السلام أصلا للبشر والسبب اللذين منهما تفرعوا جعلا كأنهما / البشر أنفسهم فخوطبا مخاطبتهم فقال :
فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ
على لفظ الجماعة ، أما قوله :
بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ
فقال القاضي : يكفي في توفية هذا الظاهر حقه أن يكون إبليس والشياطين أعداء للناس والناس أعداء لهم ، فإذا انضاف إلى ذلك عداوة بعض الفريقين لبعض لم يمتنع دخوله في الكلام ، وقوله :
فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ
فيه دلالة على أن المراد الذرية ، وقد اختلفوا في المراد بالهدى ، فقال بعضهم : الرسل وبعضهم قال : الآخر والأدلة وبعضهم قال القرآن ، والتحقيق أن الهدى عبارة عن الدلالة فيدخل فيه كل ذلك ، وفي قوله :
فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى
دلالة على أن المراد بالهدى الذي ضمن اللَّه على اتباعه ذلك اتباع الأدلة ، واتباعها لا يتكامل إلا بأن يستدل بها وبأن يعمل بها ، ومن هذا حاله فقد ضمن اللَّه تعالى له أن لا يضل ولا يشقى ، وفيه ثلاثة أوجه : أحدها : لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة . وثانيها : لا يضل ولا يشقى في الآخرة لأنه تعالى يهديه إلى الجنة ويمكنه فيها . وثالثها : لا يضل ولا يشقى في الدنيا فإن قيل : المتبع لهدى اللَّه قد يحلقه الشقاء في الدنيا ، قلنا : المراد لا يضل في الدين ولا يشقى بسبب الدين فإن حصل الشقاء بسبب آخر فلا بأس ، ولما وعد اللَّه تعالى من يتبع الهدى أتبعه بالوعيد فيمن أعرض ، فقال :
وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي
والذكر يقع على القرآن وعلى سائر كتب اللَّه تعالى على ما تقدم بيانه ويحتمل أن يراد به الأدلة ، وقوله :
فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً
فالضنك أصله الضيق والشدة وهو مصدر ثم يوصف به فيقال : منزل ضنك ، وعيش ضنك ، فكأنه قال : معيشة ذات ضنك ، واعلم أن هذا الضيق المتوعد به إما أن يكون في الدنيا أو