تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 280

مساهمون:

ص٢٨٠
فقدوا الطعام صاروا كأنهم يذوقون الجوع . والثاني : أن ذلك الجوع كان شديدا كاملا فصار كأنه أحاط بهم من كل الجهات ، فأشبه اللباس . فالحاصل أنه حصل في ذلك الجوع حالة تشبه المذوق ، وحالة تشبه الملبوس ، فاعتبر اللّه تعالى كلا الاعتبارين ، فقال :
فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ
. والوجه الثاني : إن التقدير إن اللّه عرفها لباس الجوع والخوف إلا أنه تعالى عبر عن التعريف بلفظ الإذاقة وأصل الذوق بالفم ، ثم قد يستعار فيوضع موضع التعرف وهو الاختبار ، تقول : ناظر فلانا وذق ما عنده . قال الشاعر :
ومن يذق الدنيا فإني طعمتها * وسيق إلينا عذبها وعذابها
ولباس الجوع والخوف هو ما ظهر عليهم من الضمور وشحوب اللون ونهكة البدن وتغير الحال وكسوف البال فكما تقول : تعرفت سوء أثر الخوف والجوع على فلان ، كذلك يجوز أن تقول : ذقت لباس الجوع والخوف على فلان . والوجه الثالث : أن يحمل لفظ اللبس على المماسة ، فصار التقدير : فأذاقها اللّه مساس الجوع والخوف . ثم قال تعالى :
بِما كانُوا يَصْنَعُونَ
قال ابن عباس : يريد بفعلهم بالنبي صلّى اللّه عليه وسلم حين كذبوه وأخرجوه من مكة وهموا بقتله . قال الفراء : ولم يقل بما صنعت ، ومثله في القرآن كثير ، ومنه قوله تعالى :
فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ
[ الأعراف : 4 ] ولم يقل قائلة ، وتحقيق الكلام أنه تعالى وصف القرية بأنها مطمئنة يأتيها رزقها رغدا فكفرت بأنعم اللّه ، فكل هذه الصفات ، وإن أجريت بحسب اللفظ على القرية ، إلا أن المراد في الحقيقة أهلها ، فلا جرم قال في آخر الآية :
بِما كانُوا يَصْنَعُونَ
واللّه أعلم .

[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 113 إلى 114 ]

وَلَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ وَهُمْ ظالِمُونَ ( 113 ) فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالاً طَيِّباً وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ( 114 ) اعلم أنه تعالى لما ذكر المثل ذكر الممثل فقال :
وَلَقَدْ جاءَهُمْ
يعني أهل مكة :
رَسُولٌ مِنْهُمْ
يعني من أنفسهم يعرفونه بأصله ونسبه :
فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ
قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : يعني الجوع الذي كان بمكة . وقيل : القتل يوم بدر ، وأقول قول ابن عباس أولى لأنه تعالى قال بعده :
فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ
. . .
إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ
يعني أن ذلك الجوع إنما كان بسبب كفركم فاتركوا الكفر حتى تأكلوا ، فلهذا السبب قال :
فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ
قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : فكلوا يا معشر المسلمين مما رزقكم اللّه يريد من الغنائم . وقال الكلبي : إن رؤساء مكة كلموا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم حين جهدوا وقالوا عاديت الرجال فما بال النسوان والصبيان . وكانت الميرة قد قطعت عنهم بأمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فأذن في حمل الطعام إليهم فحمل إليهم العظام فقال اللّه تعالى :
فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً
والقول ما قال ابن عباس رضي اللّه عنهما ويدل عليه قوله تعالى بعد هذه الآية :
إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ
[ النحل : 115 ] الآية يعني أنكم لما آمنتم وتركتم الكفر فكلوا الحلال الطيب وهو الغنيمة واتركوا الخبائث وهي الميتة والدم .
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 280 | فخر الدين الرازي