تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 279

مساهمون:

ص٢٧٩
والأكثرون من المفسرين على أنها مكة ، والأقرب أنها غير مكة لأنها ضربت مثلا لمكة ، ومثل مكة يكون غير مكة . المسألة الثالثة : ذكر اللّه تعالى لهذه القرية صفات : الصفة الأولى : كونها آمنة أي ذات أمن لا يغار عليهم كما قال :
أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ
[ العنكبوت : 67 ] والأمر في مكة كان كذلك ، لأن العرب كان يغير بعضهم على بعض . أما أهل مكة ، فإنهم كانوا أهل حرم اللّه ، والعرب كانوا يحترمونهم ويخصونهم بالتعظيم والتكريم . واعلم أنه يجوز وصف القرية بالأمن ، وإن كان ذلك لأهلها لأجل أنها مكان الأمن وظرف / له ، والظروف من الأزمنة والأمكنة توصف بما حلها ، كما يقال : طيب وحار وبارد . والصفة الثانية : قوله :
مُطْمَئِنَّةً
قال الواحدي : معناه أنها قارة ساكنة فأهلها لا يحتاجون إلى الانتقال عنها لخوف أو ضيق . أقول : إن كان المراد من كونها مطمئنة أنهم لا يحتاجون إلى الانتقال عنها بسبب الخوف ، فهذا هو معنى كونها آمنة ، وإن كان المراد أنهم لا يحتاجون إلى الانتقال عنها بسبب الضيق ، فهذا هو معنى قوله :
يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ
وعلى كلا التقديرين فإنه يلزم التكرار . والجواب : أن العقلاء قالوا :
ثلاثة ليس لها نهاية * الأمن والصحة والكفاية
قوله :
آمِنَةً
إشارة إلى الأمن ، وقوله :
مُطْمَئِنَّةً
إشارة إلى الصحة ، لأن هواء ذلك البلد لما كان ملائما لأمزجتهم اطمأنوا إليه واستقروا فيه ، وقوله :
يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ
إشارة إلى الكفاية . قال المفسرون : وقوله :
مِنْ كُلِّ مَكانٍ
السبب فيه إجابة دعوة إبراهيم عليه السلام وهو قوله :
فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ
[ إبراهيم : 37 ] ثم إنه تعالى لما وصف القرية بهذه الصفات الثلاثة قال :
فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ
الأنعم جمع نعمة مثل أشد وشدة أقول هاهنا سؤال : وهو أن الأنعم جمع قلة ، فكان المعنى : أن أهل تلك القرية كفرت بأنواع قليلة من النعم فعذبها اللّه ، وكان اللائق أن يقال : إنهم كفروا بنعم عظيمة للّه فاستوجبوا العذاب ، فما السبب في ذكر جمع القلة ؟ والجواب : المقصود التنبيه بالأدنى على الأعلى يعني أن كفران النعم القليلة لما أوجب العذاب فكفران النعم الكثيرة أولى بإيجاب العذاب ، وهذا مثل أهل مكة لأنهم كانوا في الأمن والطمأنينة والخصب ، ثم أنعم اللّه عليهم بالنعمة العظيمة ، وهو محمد صلّى اللّه عليه وسلم فكفروا به وبالغوا في إيذائه فلا جرم سلط اللّه عليهم البلاء . قال المفسرون : عذبهم اللّه بالجوع سبع سنين حتى أكلوا الجيف والعظام والعلهز والقد ، أما الخوف فهو أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم كان يبعث إليهم السرايا فيغيرون عليهم . ونقل أن ابن الراوندي قال لابن الأعرابي الأديب : هل يذاق اللباس ؟ قال ابن الأعرابي : لا بأس ولا لباس يا أيها النسناس ، هب أنك تشك أن محمدا ما كان نبيا أما كان عربيا وكان مقصود ابن الراوندي الطعن في هذه الآية ، وهو أن اللباس لا يذاق بل يلبس فكان الواجب أن يقال : فكساهم اللّه لباس الجوع ، أو يقال : فأذاقهم اللّه طعم الجوع . وأقول جوابه من وجوه : الوجه الأول : أن الأحوال التي حصلت لهم عند الجوع نوعان ، أحدهما : أن المذوق هو / الطعم فلما
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 279 | فخر الدين الرازي