تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 282

مساهمون:

ص٢٨٢
المسألة الثانية : في انتصاب الكذب في قوله :
لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ
وجهان : الأول : قال الكسائي والزجاج ( ما ) مصدرية ، والتقدير : ولا تقولوا : لأجل وصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام نظيره أن يقال : لا تقولوا : لكذا كذا وكذا . فإن قالوا : حمل الآية عليه يؤدي إلى التكرار ، لأن قوله تعالى :
لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ
عين ذلك . والجواب : أن قوله :
لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ
ليس فيه بيان كذب على اللّه تعالى فأعاد قوله :
لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ
ليحصل فيه هذا البيان الزائد ونظائره في القرآن كثيرة . وهو أنه تعالى يذكر كلاما ثم يعيده بعينه مع فائدة زائدة . الثاني : أن تكون ( ما ) موصولة ، والتقدير ولا تقولوا للذي تصف ألسنتكم الكذب فيه هذا حلال وهذا حرام ، وحذف لفظ فيه لكونه معلوما . المسألة الثالثة : قوله تعالى :
تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ
من فصيح الكلام وبليغه كأن ماهية الكذب وحقيقته مجهولة وكلامهم الكذب يكشف حقيقة الكذب ويوضح ماهيته ، وهذا مبالغ في وصف كلامهم بكونه كذبا ، ونظيره قول أبي العلاء المعري :
سرى برق المعرة بعد وهن * فبات برامة يصف الكلالا
والمعنى : أن سرى ذلك البرق يصف الكلال فكذا هاهنا ، واللّه أعلم . ثم قال تعالى :
لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ
المعنى : أنهم كانوا ينسبون ذلك التحريم والتحليل إلى اللّه تعالى ويقولون : إنه أمرنا بذلك . وأظن أن هذا اللام ليس لام الغرض ، لأن ذلك الافتراء ما كان غرضا لهم بل كان لام العاقبة كقوله تعالى :
لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً
[ القصص : 8 ] قال الواحدي : وقوله :
لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ
بدل من قوله :
لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ
لأن وصفهم الكذب هو افتراء على اللّه تعالى ، ففسر وصفهم الكذب بالافتراء على اللّه تعالى ، ثم أوعد المفترين ، وقال :
إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ
ثم بين أن ما هم فيه من نعيم الدنيا يزول عنهم عن قريب ، فقال :
مَتاعٌ قَلِيلٌ
قال الزجاج : المعنى متاعهم متاع قليل ، وقال ابن عباس : بل متاع كل الدنيا متاع قليل ، ثم يردون إلى عذاب أليم ، وهو قوله :
وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
.

[ سورة النحل ( 16 ) : آية 118 ]

وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( 118 ) اعلم أنه تعالى لما بين ما يحل وما يحرم لأهل الإسلام ، أتبعه ببيان ما خص اليهود به من المحرمات / فقال :
وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ
وهو الذي سبق ذكره في سورة الأنعام . ثم قال تعالى :
وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
وتفسيره هو المذكور في قوله تعالى :
فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ
[ النساء : 160 ] .

[ سورة النحل ( 16 ) : آية 119 ]

ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ( 119 )
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 282 | فخر الدين الرازي