فإن قالوا : كيف يكون قريبا وقد انقرض ستمائة سنة ولم يظهر ؟
قلنا : إذا كان ما مضى أكثر مما بقي كان الباقي قريبا قليلا ، ثم قال تعالى :
يَوْمَ يَدْعُوكُمْ
وفيه قولان :
الأول : أنه خطاب مع الكفار بدليل أن ما قبل هذه الآية كله خطاب مع الكفار ، ثم نقول انتصب يوما على البدل من قوله :
قَرِيباً
، والمعنى عسى أن يكون البعث يوم يدعوكم أي بالنداء الذي يسمعكم وهو النفحة الأخيرة كما قال :
يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ
[ ق : 41 ] يقال : إن إسرافيل ينادي أيتها الأجساد البالية والعظام النخرة والأجزاء المتفرقة عودي كما كنت بقدرة اللّه تعالى وبإذنه وتكوينه ، وقال تعالى :
يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ
[ القمر : 6 ] وقوله :
فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ
أي تجيبون والاستجابة موافقة الداعي فيما دعا إليه وهي الإجابة إلا أن الاستجابة تقتضي طلب الموافقة فهي أوكد من الإجابة ، وقوله :
بِحَمْدِهِ
قال سعيد بن جبير :
يخرجون من قبورهم وينفضون التراب عن رؤسهم ويقولون : سبحانك وبحمدك ، فهو قوله :
فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ
وقال قتادة بمعرفته وطاعته ، وتوجيه هذا القول أنهم لما أجابوا بالتسبيح والتحميد كان ذلك معرفة منهم وطاعة ولكنهم لا ينفعهم ذلك في ذلك اليوم فلهذا قال المفسرون : حمدوا حين لا ينفعهم الحمد ، وقال أهل المعاني : تستجيبون بحمده أي تستجيبون حامدين كما يقال : جاء بغضبه أي جاء غضبان وركب الأمير بسيفه أي وسيفه معه وقال صاحب « الكشاف » :
بِحَمْدِهِ
حال منهم أي حامدين ، وهذا مبالغة في انقيادهم للبعث كقولك لمن تأمره بعمل يشق عليه ستأتي به وأنت حامد شاكر ، أي ستنتهي إلى حالة تحمد اللّه وتشكره على أن اكتفي منك بذلك العمل وهذا يذكر في معرض التهديد .
ثم قال :
وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا
قال ابن عباس يريد بين النفختين الأولى والثانية فإنه يزال عنهم العذاب في ذلك الوقت ، والدليل عليه قوله في سورة يس :
مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا
[ يس : 52 ] فظنهم بأن هذا لبث قليل عائد إلى لبثهم فيما بين النفختين ، وقال الحسن : معناه تقريب وقت البعث فكأنك بالدنيا لم تكن وبالآخرة لم تزل فهذا يرجع إلى استقلال مدة اللبث في الدنيا وقيل المراد استقلال لبثهم في عرصة القيامة ، لأنه لما كانت عاقبة أمرهم الدخول في النار استقصروا مدة لبثهم في برزخ القيامة .
القول الثاني : أن الكلام مع الكفار تم عند قوله :
عَسى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً
وأما قوله :
يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ
فهو خطاب مع المؤمنين لا مع الكافرين لأن هذا الكلام هو اللائق بالمؤمنين لأنهم يستجيبون للّه بحمده ، ويحمدونه على إحسانه إليهم ، والقول الأول هو المشهور ، والثاني ظاهر الاحتمال .
[ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 53 إلى 55 ]
وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوًّا مُبِيناً ( 53 ) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً ( 54 ) وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً ( 55 )
اعلم أن قوله :
قُلْ لِعِبادِي
فيه قولان :
القول الأول : أن المراد به المؤمنون ، وذلك لأن لفظ العباد في أكثر آيات القرآن مختص بالمؤمنين قال تعالى :
فَبَشِّرْ عِبادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ
[ الزمر : 17 ، 18 ] وقال :
فَادْخُلِي فِي عِبادِي
[ الفجر : 29 ] وقال :
عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ
[ الإنسان : 6 ] .