تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 351

مساهمون:

ص٣٥١
متحيرين لا يفهمون منه شيئا ، وإذا سمعوا آية فيها ذكر اللّه تعالى وذم الشرك باللّه ولوا نفورا وتركوا ذلك المجلس ، وذكر الزجاج في قوله :
وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً
وجهين : الأول : المصدر والمعنى ولوا نافرين نفورا ، والثاني : أن يكون نفورا جمع نافر مثل شهود وشاهد وركوع وراكع وسجود وساجد وقعود وقاعد . ثم قال تعالى :
نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ
أي نحن أعلم بالوجه الذي يستمعون به وهو الهزء والتكذيب . و
بِهِ
في موضع الحال ، كما تقول : مستمعين بالهزؤ و
إِذْ يَسْتَمِعُونَ
نصب بأعلم أي أعلم وقت استماعهم بما به يستمعون
وَإِذْ هُمْ نَجْوى
أي وبما يتناجون به إذ هم ذوو نجوى :
إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ
بدل من قوله :
وَإِذْ هُمْ نَجْوى
. . .
إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً
وفيه مباحث : الأول : قال المفسرون : أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عليا أن يتخذ طعاما ويدعو إليه أشراف قريش من المشركين ، ففعل علي عليه السلام ذلك ودخل عليهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وقرأ عليهم القرآن ودعاهم إلى التوحيد وقال : قولوا لا إله إلا اللّه حتى تطيعكم العرب وتدين لكم العجم فأبوا عليه ذلك ، وكانوا عند استماعهم من النبي صلّى اللّه عليه وسلم القرآن والدعوة إلى اللّه تعالى يقولون : بينهم متناجين هو ساحر وهو مسحور وما أشبه ذلك من القول ، فأخبر اللّه تعالى نبيه بأنهم يقولون :
إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً
. فإن قيل : إنهم لم يتبعوا رسول اللّه فكيف يصح أن يقولوا :
إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً
. قلنا : معناه أنكم إن اتبعتموه فقد اتبعتم رجلا مسحورا ، والمسحور الذي قد سحر فاختلط عليه عقله وزال عن حد الاستواء هذا هو القول الصحيح ، وقال بعضهم : المسحور هو الذي أفسد يقال : طعام مسحور إذا أفسد عمله وأرض مسحورة أصابها من المطر أكثر مما ينبغي فأفسدها . قال أبو عبيدة : يريد بشرا ذا سحر أي ذا رئة . قال ابن قتيبة : ولا أدري ما الذي حمله على هذا التفسير المستكره مع أن السلف فسروه بالوجوه الواضحة ، وقال مجاهد :
مَسْحُوراً
أي مخدوعا لأن السحر حيلة وخديعة ، وذلك لأن المشركين كانوا يقولون : إن محمدا يتعلم من بعض الناس هذه الكلمات / وأولئك الناس يخدعونه بهذه الكلمات وهذه الحكايات ، فلذلك قالوا : إنه مسحور أي مخدوع ، وأيضا كانوا يقولون : إن الشيطان يتخيل له فيظن أنه ملك فقالوا : إنه مخدوع من قبل الشيطان . ثم قال :
انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ
أي كل أحد شبهك بشيء آخر ، فقالوا : إنه كاهن وساحر وشاعر ومعلم ومجنون ، فضلوا عن الحق والطريق المستقيم فلا يستطيعون سبيلا إلى الهدى والحق .

[ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 49 إلى 52 ]

وَقالُوا أَ إِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً ( 49 ) قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً ( 50 ) أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً ( 51 ) يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً ( 52 )