تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 355

مساهمون:

ص٣٥٥
إذا عرفت هذا فنقول : إنه تعالى لما ذكر الحجة اليقينية في إبطال الشرك وهو قوله :
لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذاً لَابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا
[ الإسراء : 42 ] وذكر الحجة اليقينية في صحة المعاد وهو قوله :
قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ
[ الإسراء : 51 ] قال في هذه الآية وقل يا محمد لعبادي إذا أردتم إيراد الحجة على المخالفين فاذكروا تلك الدلائل بالطريق الأحسن . وهو أن لا يكون ذكر الحجة مخلوطا بالشتم والسب ، ونظير هذه الآية قوله :
ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ
[ النحل : 125 ] وقوله :
وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
[ العنكبوت : 46 ] وذلك لأن ذكر الحجة لو اختلط به شيء من السب والشتم لقابلوكم بمثله كما قال :
وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ
[ الأنعام : 108 ] ويزداد الغضب وتتكامل النفرة ويمتنع حصول المقصود ، أما إذا وقع الاقتصار على ذكر الحجة بالطريق الأحسن / الخالي عن الشتم والإيذاء أثر في القلب تأثيرا شديدا فهذا هو المراد من قوله :
وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
ثم إنه تعالى نبه على وجه المنفعة في هذا الطريق فقال :
إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ
جامعا للفريقين أي متى صارت الحجة مرة ممزوجة بالبذاءة صارت سببا لثوران الفتنة . ثم قال :
إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوًّا مُبِيناً
والمعنى : أن العداوة الحاصلة بين الشيطان وبين الإنسان عداوة قديمة قال تعالى حكاية عنه :
ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ
[ الأعراف : 17 ] وقال :
كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ
[ الحشر : 16 ] وقال :
وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ
[ الأنفال : 48 ] . وقال :
لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ
إلى قوله :
إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ
[ الأنفال : 48 ] . ثم قال تعالى :
رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ
واعلم أنا إنما نتكلم الآن على تقدير أن قوله تعالى :
قُلْ لِعِبادِي
المراد به المؤمنون ، وعلى هذا التقدير فقوله :
رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ
خطاب مع المؤمنين ، والمعنى : إن يشأ يرحمكم ، والمراد بتلك الرحمة الإنجاء من كفار مكة وأذاهم أو إن يشأ يعذبكم بتسليطهم عليكم . ثم قال :
وَما أَرْسَلْناكَ
يا محمد
عَلَيْهِمْ وَكِيلًا
أي حافظا وكفيلا فاشتغل أنت بالدعوة ولا شيء عليك من كفرهم فإن شاء اللّه هدايتهم هداهم ، وإلا فلا . القول الثاني : أن المراد من قوله :
وَقُلْ لِعِبادِي
الكفار ، وذلك لأن المقصود من هذه الآيات الدعوة ، فلا يبعد في مثل هذا الموضع أن يخاطبوا بالخطاب الحسن ليصير ذلك سببا لجذب قلوبهم وميل طباعهم إلى قبول الدين الحق ، فكأنه تعالى قال : يا محمد قل لعبادي الذين أقروا بكونهم عبادا لي يقولوا التي هي أحسن . وذلك لأنا قبل النظر في الدلائل والبينات نعلم بالضرورة أن وصف اللّه تعالى بالتوحيد والبراءة عن الشركاء والأضداد أحسن من إثبات الشركاء والأضداد ، ووصفه بالقدرة على الحشر والنشر بعد الموت أحسن من وصفه بالعجز عن ذلك ، وعرفهم أنه لا ينبغي لهم أن يصروا على تلك المذاهب الباطلة تعصبا للأسلاف ، لأن الحامل على مثل هذا التعصب هو الشيطان ، والشيطان عدو ، فلا ينبغي أن يلتفت إلى قوله ثم قال لهم :
رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ
بأن يوفقكم للإيمان والهداية والمعرفة . وإن يشأ يمتكم ، على الكفر فيعذبكم ، إلا أن تلك المشيئة غائبة عنكم فاجتهدوا أنتم في طلب الدين الحق ، ولا تصروا على الباطل والجهل لئلا تصيروا