تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 292

مساهمون:

ص٢٩٢
يذكر بمعنى الصلاة ، ومنه قوله تعالى :
فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ
[ الصافات : 143 ] أي من المصلين ، والسبحة الصلاة النافلة ، وإنما قيل للمصلي مسبح ، لأنه معظم للّه بالصلاة ومنزه له عما لا ينبغي . وثانيها : ورد التسبيح بمعنى الاستثناء في قوله تعالى :
قالَ أَوْسَطُهُمْ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْ لا تُسَبِّحُونَ
[ القلم : 28 ] أي تستثنون وتأويله أيضا يعود إلى تعظيم اللّه تعالى في الاستثناء بمشيئته . وثالثها : جاء في الحديث : « لأحرقت سبحات وجهه ما أدركت من شيء » قيل معناه نور وجهه ، وقيل : سبحات وجهه ، نور وجهه الذي إذا رآه الرائي قال : سبحان اللّه ، وقوله :
أَسْرى
قال أهل اللغة : أسرى وسرى لغتان : وقوله :
بِعَبْدِهِ
أجمع المفسرون على أن المراد محمد عليه الصلاة والسلام ، وسمعت الشيخ الإمام الوالد عمر بن الحسين رحمه اللّه قال : سمعت الشيخ الإمام أبا القاسم سليمان الأنصاري قال : لما وصل محمد صلوات اللّه عليه إلى الدرجات العالية والمراتب الرفيعة في العارج أوحى اللّه تعالى إليه : يا محمد بم أشرفك ؟ قال : « رب بأن تنسبني إلى نفسك بالعبودية » فأنزل اللّه فيه :
سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ
وقوله :
لَيْلًا
نصب على الظرف . فإن قيل : الإسراء لا يكون إلا بالليل فما معنى ذكر الليل ؟ قلنا : أراد بقوله :
لَيْلًا
بلفظ التنكير تقليل مدة الإسراء وأنه أسرى به في بعض الليل من مكة إلى الشام مسيرة أربعين ليلة ، وذلك أن التنكير فيه قد دل على معنى البعضية ، واختلفوا في ذلك الليل قال مقاتل : كان ذلك الليل قبل الهجرة بسنة ، ونقل صاحب « الكشاف » عن أنس والحسن أنه كان ذلك قبل البعثة . وقوله :
مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ
اختلفوا في المكان الذي أسرى به منه ، فقيل هو المسجد الحرام بعينه وهو الذي يدل عليه ظاهر لفظ القرآن ، وروي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « بينا أنا في المسجد الحرام في الحجر عند البيت بين النائم واليقظان إذ أتاني جبريل بالبراق » وقيل أسري به من دار أم هانئ بنت أبي طالب . والمراد على هذا القول بالمسجد الحرام الحرم لإحاطته بالمسجد والتباسه به ، وعن ابن عباس الحرم كله مسجد ، وهذا قول الأكثرين وقوله :
إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى
اتفقوا على أن المراد منه بيت المقدس وسمي بالأقصى لبعد المسافة بينه وبين المسجد الحرام وقوله :
الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ
قيل بالثمار والأزهار ، وقيل بسبب أنه مقر الأنبياء ومهبط الملائكة . واعلم أن كلمة ( إلى ) لانتهاء الغاية فمدلول قوله :
إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى
أنه وصل إلى حد ذلك / المسجد فأما أنه دخل ذلك المسجد أم لا فليس في اللفظ دلالة عليه ، وقوله :
لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا
يعني ما رأى في تلك الليلة من العجائب والآيات التي تدل على قدرة اللّه تعالى . فإن قالوا : قوله :
لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا
يدل على أنه تعالى ما أراه إلا بعض الآيات ، لأن كلمة ( من ) تفيد التبعيض ، وقال في حق إبراهيم :
وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
[ الأنعام : 75 ] فيلزم أن يكون معراج إبراهيم عليه السلام أفضل من معراج محمد صلّى اللّه عليه وسلم . قلنا : الذي رآه إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ، والذي رآه محمد صلّى اللّه عليه وسلم بعض آيات اللّه تعالى ، ولا شك أن آيات اللّه أفضل . ثم قال :
إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
أي أن الذي أسرى بعبده هو السميع لأقوال محمد ، البصير بأفعاله ،