تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 290

مساهمون:

ص٢٩٠
البحث الثالث : هذا من الكلام المقلوب ، لأن الضيق صفة ، والصفة تكون حاصلة في الموصوف ولا يكون المصوف حاصلا في الصفة ، فكان المعنى فلا يكن الضيق فيك ، إلا أن الفائدة في قوله :
وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ
هو أن الضيق إذا عظم وقوي صار كالشئ المحيط بالإنسان من كل الجوانب وصار كالقميص المحيط به ، فكانت الفائدة في ذكر هذا اللفظ هذا المعنى واللّه أعلم . المرتبة الرابعة : قوله :
إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ
وهذا يجري مجرى التهديد لأن في المرتبة الأولى رغب في ترك الانتقام على سبيل الرمز ، وفي المرتبة الثانية عدل عن الرمز إلى التصريح وهو قوله :
وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ
وفي المرتبة الثالثة أمرنا بالصبر على سبيل الجزم ، وفي هذه المرتبة الرابعة كأنه ذكر الوعيد في فعل الانتقام فقال :
إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا
عن استيفاء الزيادة :
وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ
في ترك أصل الانتقام ، فإن أردت أن أكون معك فكن من المتقين ومن المحسنين . ومن وقف على هذا الترتيب عرف أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجب أن يكون على سبيل الرفق واللطف مرتبة فمرتبة ، ولما قال اللّه لرسوله :
ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ
ذكر هذه المراتب الأربعة ، تنبيها على أن الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة يجب أن تكون واقعة على هذا الوجه ، وعند الوقوف على هذه اللطائف يعلم العاقل أن هذا الكتاب الكريم بحر لا ساحل له . المسألة الثالثة : قوله :
إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا
معيته بالرحمة والفضل والرتبة ، وقوله :
الَّذِينَ اتَّقَوْا
إشارة إلى التعظيم لأمر اللّه تعالى ، وقوله :
وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ
إشارة إلى الشفقة على خلق اللّه ، وذلك يدل على أن كمال السعادة للإنسان في هذين الأمرين أعني التعظيم لأمر اللّه تعالى والشفقة على خلق اللّه ، وعبر عنه بعض المشايخ فقال : كمال الطريق صدق مع الحق وخلق مع الخلق ، وقال الحكماء : كمال الإنسان في أن يعرف الحق لذاته ، والخير لأجل العمل به ، وعن هرم بن حيان أنه قيل له عند القرب من الوفاة أوص ، فقال : إنما الوصية من المال ولا مال لي ، ولكني أوصيكم بخواتيم سورة النحل . المسألة الرابعة : قال بعضهم : إن قوله تعالى :
وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ
منسوخ بآية السيف ، وهذا في غاية البعد ، لأن المقصود من هذه الآية تعليم حسن الأدب في كيفية الدعوة إلى اللّه تعالى ، وترك التعدي وطلب الزيادة ، ولا تعلق لهذه الأشياء بآية السيف ، وأكثر المفسرين مشغوفون بتكثير القول بالنسخ ، ولا أرى فيه فائدة واللّه أعلم بالصواب . قال المصنف رحمه اللّه : تم تفسير هذه السورة ليلة الثلاثاء بعد العشاء الآخرة بزمان معتدل ، وقال رحمه اللّه : الحق عزيز والطريق بعيد والمركب ضعيف والقرب بعد والوصل هجر والحقائق مصونة والمعاني في غيب الغيب محصونة والأسرار فيما وراء العز مخزونة ، وبيد الخلق القيل والقال والكمال ليس إلا للّه ذي الإكرام والجلال ، والحمد للّه رب العالمين ، وصلاته على سيدنا محمد النبي الأمي وآله وصحبه وسلم .
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 290 | فخر الدين الرازي